قضى شهيداً فهو في شبابه * دسّ إليه السمّ في شرابه
أفطر عن صيامه بالسّمّ * فانفطرت منه سماء العلم
وأنشقّت السّماء بالبكاء * على عماد الأرض والسّماء
وانطمست نجومها حيث خبا * بدر المعالي شرفاً ومنصباً
وانتثرت كواكب السعود * على نظام عالم الوجود
وكادت الأرض له تميد * بأهلها إذ فقد العميد
قضى بعيد الدّار عن بلاده * وعن عياله وعن أولاده
تبكى على غربته الأملاك * تنوح في صريرها الإقلال
تبكيه حزناً أعين النّجوم * تلعن قاتليه بالرّجوم
وناحت المقول والأرواح * بل ناحت الأضلال والأشباح
صبّت عليه أدمع المعالي * هدت له أطوادها العوال
بكت لربانيها العلوم * ناحت على حافظها الرسوم
قضى شهيداً وبكاه الجواد * كأنه بنفسه يجود
يبكي على مصابه محرابه * كأنه اصابه مصابه
تبكي الليالي البيض بالضراعة * سوداً إلى يوم قيام السّاعة
تعساً وبؤساً لابنة المأمون * من غدرها لحقدها المكنون
فإنها سر أبيها الغادر * مشتقة من أسوء المصادر
قد نال منها عن عظائم المحن * ما ليس ينسى ذكره مدى الزمن
فكم سعت إلى أبيها الخائن * به لما فيها من الضغائن
حتى إذا تم لها الشقاء * أتت بما أسود به الفضاء
سمته غيلة بأمر المعتصم * والحقد داء هي يعمى ويصم
ويل لها مما جنت يداها * وفي شقاها تبعت أباها
بل هي أشقى منه إذ ما عرفت * حق وليها ولا به وفت
ولا تحننت على شبابه * ولا تعطفت على اغترابه
تبت يداها ويدا أبيها * مصيبة جل العزاء فيها ( 1 )
هامش
1 . الأنوار القدسية : 57 .