قبض النبيُّ محمّد فعيوننا * تذرى الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب : فوثبت من نومى فزعا ، فنظرت إلى السّماء فلم أر إلاّ سعد
الذّابح ( 1 ) ، فتفاءلت ذبحا يقع في العرب فعلمت أنّ النّبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قد قبض وهو ميّت من
علّته ، فركبت ناقتي وسرت ، فلمّا أصبحت طلبت شيئا أزجر ( 2 ) به ، فعنّ لي شَيْهم -
يعنى القنفذ - وقد قبض على صلّ - وهي الحيّة - فهي تلتوي عليه ، والشّيهم يعضّها
حتّى أكلها ، فزجرت ذلك فقلت : الشّيهم شيء مهمّ ، والتواء الصّل التواء النّاس عن
الحقّ على القائم بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ أوّلت أكل الشّيهم إيّاها غلبة القائم بعده على
الأمر . فحثثت ناقتي حتّى إذا كنت بالغابة زجرت ( 3 ) الطائر ، فأخبرني بوفاته . ونعب
غراب سانح ( 4 ) فنطق بمثل ذلك ، فتعوذت بالله من شر ما عنّ لي في طريقي .
وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام ، فقلت : مه ؟
فقالوا : قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فجئت المسجد فوجدته خاليا ، وأتيت بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
فأصبت بابه مرتجا ، وقيل : هو مسجّى ، وقد خلا به أهله فقلت : أين النّاس ؟ فقالوا :
في سقيفة بني ساعدة . . . ثمّ قال أبو ذؤيب : فشهدت الصّلاة على محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وشهدت
دفنه . ثمّ أنشد أبو ذؤيب يبكى النّبيّ ( صلى الله عليه وآله ) :
لمّا رأيت النّاس في عَسلانهم * ما بين ملحود له ( 5 ) ومُضرّح
متبادرين لشرجع بأكفهم * نصّ الرقاب ، لفقد ابيض اَروَح
فهناك صرت إلى الهموم ، ومن يَبِت * جار الهموم يبيت غير مروّح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها * وتضعضعت آطام بطن الأبطح
وتزعزعت أجبال يثرب كلها * ونخيلها لحلول خطب مفدح
هامش
1 . سعد الذابح : منزل من منازل القمر ، أحد السعود ، وهما كوكبان نيران بينهما مقدار ذراع ، وفي نحر أحدهما
نجم صغير ، لقربه منه كأنه يذبحه ، فسمى لذلك ذابحاً .
2 . الزجر : نوع من الكهانة .
3 . الزجر للطير : هو التيمن والتشاؤم بها فكانوا يتيمنون بسنوحها .
4 . السانح : ما اتاك عن يمينك من طبي أو طائر ويتشاءمون ببروجها ، والبارح : ما اتاك عن يسارك .
5 . ملحود له : مدفون والمضرح : الّذي وضع في الضريح وهو القبر .