وقارا ، ومن حقّت عليهم كلمة العذاب فإنّ اللَّه بالمرصاد ، وأنّ دنياك ستدبر عنك ، وستعود حسرة عليك فانتبه من الغيّ والضلال على كبر سنّك وفناء عمرك فإنّ حالك اليوم كحال الثواب المهيل الَّذي لا يصلح من جانب إلَّا فسد من آخر . ثمّ يتّصل به وقد أرديت . الفصل .
والمهيل : المتداعي في التمزّق ، ومنه رمل مهيل : أي ينهال ويسيل . وأرديت أهلكت . والجيل : الصنف ، وروى جبلا : وهو الخلق . وجاروا : عدلوا . والوجهة : القصد . والنكوص : الرجوع . وعوّل على كذا : اعتمد عليه . وفاء : رجع . والموازرة : المعاونة .
وفي الكتاب مقاصد :
الأوّل : موعظته وتذكيره بحال الدنيا وكونها دار تجارة والغاية من التجارة فيها إمّا ربح الآخرة بصلاح البضاعة وهي الأعمال ، وإمّا خسران الآخرة بفسادها .
الثاني : تنبيهه على أن يرى الدنيا بعينها أي يعرفها بحقيقتها ، أو يراها بالعين الَّتي بها تعرف وهي عين البصيرة ، ويعلم ما هي عليه من الغير والزوال وأنّها خلقت لغيرها ليقدّرها بمقدارها ويجعلها في نظره لما خلقت له .
الثالث : نبّهه على أنّ للَّه تعالى علما لا بدّ من نفاده فيه فإنّ ما علم اللَّه تعالى وقوعه لا بدّ من وقوعه ، وإنّما وعظه امتثالا لأمر اللَّه ووفاء بعهده على العلماء أن تؤدّوا أمانته ، وتبلغوا أحكامه إلى خلقه وأن تنصحوا ضالَّهم ورشيدهم .
الرابع : أمره بتقوى اللَّه ، ونهاه أن يكون ممّن لا يرجو للَّه وقارا أي لا يتوقّع للَّه عظمة فيعبده ويطيعه . والوقار : الاسم من التوقير : وهو التعظيم . وقيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف فيكون مجازا إطلاقا لاسم أحد الضدّين على الآخر ، وأن يكون ممّن حقّت عليه كلمة العذاب .
وقوله : فإنّ اللَّه بالمرصاد .
تنبيه له على اطَّلاعه عليه وعلمه بما يفعل ليرتدع عن معصيته .
شرح نهج البلاغة — صفحة 69
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦٩