عن الجسميّة والجهة وصفات المحدثات بل تجلَّى في كلّ شيء لكلّ من فتح عين بصيرته ووجّهها إلى مطالعة كبريائه وعظمته ، وتقدير الكبرى : وكلّ من كان كذلك فهو أولى من يسئل ويسترحم .
الخامس : أنّه لم يلجئه إلى من يشفع إليه لأنّ الشفيع إنّما يضطرّ إليه عند تعذّر المطلوب من جهة المرغوب إليه إمّا لبخله أو جهله باستحقاق الطالب . والباري تعالى لا بخل فيه ولا منع من جهته ، وإنّما يتوقّف فيضه على استعداد الطالب له ولم يجعل سبحانه للراغبين إليه ضرورة إلى الشفعاء . إذ مكَّنهم من الاستعداد لنيل مطلوباتهم منه وهيّأ لهم أسبابها وفتح لهم أبواب رحمته فإن عرضت لهم حاجة إلى شفيع فليس ذلك عن ضرورة وإلجاء منه إلى ذلك .
السادس : أنّه لم يمنعه إن أساء من التوبة بل أمره بها ووعده عليها فقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ ، » وقال بعد أن عدّد الكبائر وتوعّد عليها : « إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » الآية .
السابع : أنّه لم يعاجله بالنقمة مع اطَّلاعه عليه حين معصيته ولم يفضحه في مقامه الَّذي تعرّض فيه للفضيحة بل أمهله على ظلمه وأسبل عليه ستر كرمه وحلمه .
الثامن : أنّه يشدّد عليه في قبول الإنابة والرجوع إليه كما يفعله الملوك في حقّ من أساء وطلب الإقالة ، ولم يناقشه بجريمته وذنبه فيستقصي في حسابه بل سهل عليه في ذلك وقبل توبته متى شاء لأنّه تعالى لا مضرّة عليه بإساءة مسئ ولا نفع يصل إليه من إنابة منيب . إذ هو الغنىّ المطلق .
التاسع : أنّه لم يؤيسه من الرحمة حيث قال « : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ » . الآية .
العاشر : أنّه جعل نزوعه عن ذنبه وتوبته منه حسنة حيث قال بعد ذكر التوبة : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ، وحسب سيّئته واحدة وحسنته عشرا حيث قال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها .
شرح نهج البلاغة — صفحة 35
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٥