استعار لفظ العبد له لكونه محبّها والمتجرّد لتحصيلها متصرّفا بحسب تصريفها ودائرا في حركاته حيث دارت فإن كانت في يده أقبل عليها بالعمارة والحفظ ، وإن زالت عنه أنصب إلى تحصيلها وخدمة من كانت في يده لغرضها فهو في ذلك كالعبد لها بل أخسّ حالا كما قال عليه السّلام في موضع آخر : عبد الشهوة أذلّ من عبد الرقّ . إذا الباعث لعبد الرقّ على الخدمة والانقياد قد يكون قسريّا ، والباعث لعبد الشهوة طبيعيّ ، وشتّان ما بينهما .
الرابعة : قوله : وهو يرى المأخوذين على الغرّة
فالواو في قوله : وهو للحال ، وهو شروع في وصف نزول الموت بالغافلين عن الاستعداد له ولما ورائه من أحوال الآخرة وكيفيّة قبض الموت لأرواحهم من مبدء نزوله بهم . إلى آخره ، وكيفيّة أحوالهم مع أهليهم وإخوانهم معه ، وهو وصف لا مزيد على وضوحه وبلاغته وفائدته تذكير العصاة بأهوال الموت وتنبيههم من غفلتهم في الباطل بذلك على وجوب العمل له ، وتثبيت للسالكين إلى اللَّه على ما هم عليه ، ومراده بقوله : ما كانوا يجهلون . لا الموت فإنّه معلوم لكلّ أحد ، بل تفصيل سكراته وأهواله . وما كانوا يأمنون . إشارة إلى الموت وما بعده فإنّ الغافل حال انهماكه في لذّات الدنيا لا يعرض له خوف الموت بل يكون في تلك الحال آمنا منه ، وقوله : فغير موصوف ما نزل بهم : أي ليس ذلك ممّا يمكن استقصائه بوصف بل غايته التمثيل كما ورد في التوراة : أنّ مثل . الموت كمثل شجرة شوك أدرجت في بدن بن آدم فتعلَّقت كلّ شوكة بعرق وعصب ثمّ جذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى ، واستعار لفظ الولوج لما يتصوّر من فراق الحياة لعضو عضو فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر ، وكذلك استعار لفظ العبء للآثام الَّتي تحملها النفس ، ورشّح بذكر الظهر استعارة لفظ المحسوس للمعقول .
الخامسة : قوله : والمرء قد غلقت رهونه بها .
ضربه مثلا لحصول المرء في تبعات ما جمع وارتباطه بها عن الوصول إلى كماله وانبعاثه إلى سعادته بعد الموت ، وقد كان يمكنه فكاكها بالتوبة والأعمال الصالحة فأشبه ما جمع من الهيئات الرديئة
شرح نهج البلاغة — صفحة 64
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦٤