كنت قبل الواصفين من خلقك . فتعليل لسلب الرؤية المستلزم لسلب الإخبار عنها بقياس ضمير تقدير كبراه : وكلّ من كان قبل واصفيه لم يروه فلم يخبروا عنه ، وهذه الكبرى من المظنونات المشهورات في بادي النظر ، وهى كما علمت من موادّ قياس الخطيب وإن كانت إذا تعقّبت لم يوجد كلَّيّة . إذ ليس كلَّما وجد قبلنا بطل إخبارنا عنه ، ويمكن حمل هذا القول على وجه التحقيق وهو أن نقول : المراد بقبليّته تعالى للواصفين قبليّة وجوده بالعليّة الذاتيّة وهو بهذا الاعتبار مستلزمة لتنزيهه تعالى عن الجسميّة ولواحقها المستلزم لامتناع الرؤية المستلزم لكذب الإخبار عنه من وجه المشابهة الحسيّة .
الثاني عشر : كونه لم تخلق الخلق لوحشة
وهو إشارة إلى تنزيهه عن الطبع المستوحش والمستأنس ، وقد سبق بيان ذلك في الخطبة الأولى .
الثالث عشر : ولا استعملتهم لمنفعة
أي لم يكن خلقه لهم لمنفعة تعود إليه ، وقد سبق بيان أنّ جلب المنفعة ودفع المضرّة من لواحق المزاج - المنزّه قدس اللَّه تعالى عنه - .
الرابع عشر : ولا يسبقك من طلبت
أي لا يفوتك هربا .
الخامس عشر : ولا يفلتك من أخذت
أي لا يفلت منك بعد أخذه فحذف حرف الجرّ ، وعدّي الفعل بنفسه كما قال تعالى « واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ » وهذان الاعتباران يستلزمان كمال ملكه وتمام قدرته وإحاطة علمه . إذ أيّ ملك فرض فقد ينجو من يده الهارب ويفلت من أسره المأخوذ بالحيلة ونحوها .
السادس عشر :
ولا ينقص سلطانك من عصاك .
السابع عشر : ولا يزيد في ملكك من أطاعك
وهما تنزيه له تعالى من أحوال ملوك الدنيا . إذ كان كمال سلطان أحدهم بزيادة جنوده وكثرة مطيعه وقلَّة المخالف والعاصي له ، ونقصان ملكه بعكس ذلك وهو سبب لتسلَّط أعدائه عليه وطمعهم فيه . فأمّا سلطانه تعالى فلما كان لذاته وكمال قدرته مستوليا وهو مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وهو
شرح نهج البلاغة — صفحة 54
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٥٤