ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح ويحيى له بين الناس يموت منه ما كان معروفا به قبله من الآثار وينسى ، وكذلك لا يتجدّد له جديد من زيادات بدنه ونقصانه وأوقاته إلَّا بعد أن يخلق له جديد بتحلَّل بدنه ومعاقبة شيخوخته بشبابه ومستقبل أوقاته لسالفها ، وكذلك لا تقوم له نابتة إلَّا بعد أن تسقط منه محصودة ، واستعار لفظ النابتة لمن ينشأ من أولاده وأقربائه ، ولفظ المحصودة لمن يموت من آبائه وأهله . ولذلك قال : وقد مضت أصول يعنى الآباء ونحن فروعها . ثمّ استفهم على سبيل التعجّب عن بقاء الفرع بعد ذهاب أصله . وقد صرّح أبو العتاهيّة بهذا المعنى حيث قال :
كلّ حياة إلى ممات * وكلّ ذي جدّة يحول
كيف بقاء الفروع يوما * وذوّب قبلها الأصول
منها :
ومَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ - فَاتَّقُوا الْبِدَعَ والْزَمُوا الْمَهْيَعَ - إِنَّ عَوَازِمَ الأُمُورِ أَفْضَلُهَا - وإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا
أقول : المهيع . الطريق الواسع . والعوازم : جمع عوزم وهي العجوز المسنّة .
والمراد بالبدعة كلّ ما أحدث ممّا لم يكن على عهد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم .
وقد اشتمل هذا الفصل على وجه ترك البدعة ، وبرهان استلزام إحداث البدعة لترك السنّة أنّ عدم إحداث البدع سنّته لقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم : كلّ بدعة حرام . فكان إحداثها مستلزما لترك تلك السنّة . ثمّ على أمرهم بتقوى البدع : أي خشية عواقبها .
ثمّ بلزوم الطريق الواضح ، وهي سبيل اللَّه وشريعته ، وأراد بعوازم الأمور : إمّا قديمها وهو ما كان عليه عهد النبوّة . وإمّا جوازمها وهي المقطوع بها دون المحدثات منها الَّتي هي محلّ الشبهة والشكّ . ويرجّح الأوّل المقابلة بمحدثاتها . وجهة وصفها بكونها شرارا كونها محلّ الشبهة وخارجة عن قانون الشريعة فكانت مستلزمة للهرج والمرج وأنواع الشرور . وباللَّه التوفيق .
شرح نهج البلاغة — صفحة 193
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٣