هدف السرية كان هو الحفاظ على الرسالة من القتل في المهد ، لما في المجتمع من
أساليب إجرامية تفعل ما تشاء بدون حد ، فاستمرت الدعوة السرية ثلاث أو خمس
سنوات حتى أصلت جذورها وأحكمت قواعدها بحيث تكون قادرة على أن تقف
أمام جبروت وعزة قريش ، فكانت الرسالة في بداياتها ترتضع من ثدي السماء
وتترعرع شيئا فشيئا على أكتاف أول المسلمين بها وفي مقدمتهم ( 1 ) علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) ، فتهيئة القاعدة من الأركان الأساسية للدعوة وأهم مرحلة من مراحل
البناء هي مرحلة الإعداد النفسي والتربية العقائدية ورفع المعنويات لتلك الثلة التي
آمنت بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) وصدقت به في أول دعوته فلا بد أن يبدأ التغيير من القاعدة
الأساسية في البناء بحيث يكون تغييرا شاملا لكل القيم والعادات والتقاليد التي
كانت تحكمهم في مرحلة الجاهلية .
وما أن اكتمل عدد المسلمين ثلاثين شخصا كما قيل وأصبحوا يستنون بسنن خاصة
تختلف عن سنن المجتمع السائدة وشاع الخبر وتسربت الأقاويل وكثرت الكلمات
فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه إلى دار الأرقم أو إلى شعب أبي طالب ( 2 ) لتكون تلك
البقعة التي اجتمعوا فيها مركز للإشعاع العالمي فسمي المكان الذي انطلق الإسلام
منه بدار الإسلام ( 3 ) .
القرار السياسي
لم تدخر قريش أي وسيلة من وسائل المواجهة مع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأنصاره وبدأت
المعاناة تشتد على المسلمين يوما بعد يوم فاختار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الحل السياسي
الذي يذل قريش لعدم حفظ أبنائها ، ويعز الإسلام بنشره في كل صقاع المعمورة
فاختار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الهجرة للرعيل الأول من المسلمين وحدد لهم مكانهم وهو
الحبشة والسر في هذا الاختيار بينه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في قوله " أن فيها ملكا لا يظلم
عنده أحد وهي أرض صدق وأنه يحسن الجوار " ( 4 ) .
فهاجر المسلمون إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة وأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
هامش
( 1 ) الغدير : 3 : 9 : 10 .
( 2 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2 / 346 .
( 3 ) التراتيب الإدارية 1 / 408 عن الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2 / 345 .
( 4 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2 / 346 .