لولاتهم ، وكذلك أهل مصر والعراق ، فإنهم إنما شكوا ظلم الولاة وعسفهم ، واستئثارهم بمال الله ، وتجاوزهم حدود الله ، وارتكابهم الموبقات ، كالزنا وشرب الخمر ، وقتل النفس المحترمة ، وما إلى ذلك من فضائح وشناعات .
ولم نرهم خلعوا يداً من طاعة حتى مع ابتلائهم بحكام هذا حالهم ، بل شكوهم ، وطلبوا إصلاح الأمور ، والكف عن المآثم . ولم يزيدوا على ذلك .
ينسيه ذكري وذكرك :
وجاء كتاب عثمان إلى معاوية ليؤكد على أن القضية المحورية والحساسة لدى عثمان هي نفسه ، ونفس معاوية ، ولذلك أمره في كتابه بأن يسير الدليل بأبي ذر ليلاً ونهاراً ، ولا يسمح له بالنزول عن مركبه ، فيغلبه النوم ، فينسيه ذكر عثمان ومعاوية .
إذن . . فلم تكن مشكلة عثمان مع أبي ذر تمس الأمة في دينها ، أو في أمنها ، واستقرارها ، أو أي شيء آخر يعود بالنفع عليها ، أو بدفع الضرر عنها . . بل المطلوب : هو أن ينسى أبو ذر شخصاً اسمه عثمان ، وآخر اسمه معاوية ! !
الحكم بدون محاكمة :
وقد أظهرت النصوص المتقدمة : أن عثمان أدان أبا ذر ، وحدد عقوبته ، ونفذها فيه . . واتبعها بشتائم ، وباتهامات ، وبِحَجْبٍ ، وإهمال نحو عشرين يوماً ، وبغير ذلك مما تضمنته النصوص السابقة ، لمجرد كتاب جاءه من معاوية ، من دون أن يسأل أبا ذر عن صحة أو سقم ما أخبره به خصمه .