كما سيأتي بألفاظ عديدة ، كل ذلك لأجل الشبهة التي عرضت في أمره ، ولأنها قالت الجهينة :
أتريد أن تردني كما رددت ماعزا فعلم أن الترديد ليس بشرط في الاقرار . وبعد ، فلو سلمنا أنه
لا اضطراب ، وأنه أقر أربع مرات ، فهذا فعل منه من غير أمره صلى الله عليه وسلم ولا طلبه
لتكرار إقراره بل فعله من تلقاء نفسه وتقريره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته . واستدل
الجمهور بالقياس ، على أنه قد اعتبر في الشهادة على الزنا أربعة ، ورد بأنه استدلال واضح
البطلان لأنه قد اعتبر في المال عدلان والاقرار به يكفي مرة واحدة اتفاقا : المسألة الثانية دلت
ألفاظ الحديث على أنه يجب على الامام الاستفصال عن الأمور التي يجب معها الحد ، فإنه
قد روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة دالة عليه ، ففي حديث بريدة أنه قال : أشربت خمرا ؟
قال : لا وأنه قام رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحا وفي حديث ابن عباس لعلك قبلت أو
غمزت وفي رواية هل ضاجعتها ؟ قال : نعم ، قال : فهل باشرتها ؟ قال : نعم ، قال : هل
جامعها ؟ قال : نعم وفي حديث ابن عباس أنكتها ؟ لا يكني . رواه البخاري . وفي حديث
أبي هريرة أنكتها ؟ قال : نعم ، قال : دخل ذلك منك في ذلك منها ؟ قال : نعم . قال : كما
يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟ قال : نعم ، قال : تدري ما الزنا ؟ قال : نعم أتيت
منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا . قال : فما تريد بهذا القول ، قال : تطهرني فأمر
به فرجم . فدل جميع ما ذكر على أنه يجب الاستفصال والتبين وأنه يندب تلقين ما يسقط
الحد ، وأن الاقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة . وقد روي عن
جماعة من الصحابة تلقين المقر ، كما أخرجه مالك عن أبي الدرداء وعن علي عليه السلام
في قصة شراحة فإنه قال لها علي : استكرهت ؟ قالت : لا . قال : فلعل رجل أتاك في نومك
الحديث وعند المالكية أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرمات . وفي قوله : أشربت خمرا
دليل على أنه لا يصح إقرار السكران . وفيه خلاف . وفيه دليل على أنه يحفر للرجل عند رجمه
لان في حديث بريدة عند مسلم فحفر له حفيرة ، وفي الحديث عند البخاري أنها لما
أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه زاد في رواية حتى مات
وأخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وسلم يعني حين أخبر بهربه : هلا رددتموه إلي
وفي رواية تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه . وأخذ من هذا الهادوية والشافعي وأحمد أنه
يصح رجوع المقر عن الاقرار فإذا هرب ترك لعله يرجع . وفي قوله ( ص )
لعله يتوب إشكال لأنه ما جاء إلا تائبا يطلب تطهيره من الذنب . وقد أخرج أبو داود
أنه قال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز : والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة
ينغمس فيها . ولعله يجاب بأن المراد لعله يرجع عن إقراره ويتوب بينه وبين الله تعالى فيغفر
له أو المراد يتوب عن إكذابه نفسه .
واعلم أن قوله : فأمر به فرجموه يدل أنه ( ص ) لم يحضر الرجم ، وأنه لا يجب
أن يكون أول من يرجم الامام فيمن ثبت عليه الحد بالاقرار وإلى هذا ذهب الشافعي
سبل السلام — صفحة 7
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص٧