ويؤخذ منه أنه إن أمره إلى محرم حرم عليه الفعل وإن لم يقصد المحرم ، وعليه دل قوله
تعالى : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) * . واستنبط منه الماوردي
تحريم بيع الثوب الحرير إلى من يتحقق منه لبسه ، والغلام الأمرد إلى من يحقق منه فعل
الفاحشة ، والعصير لمن يتخذه خمرا . وفي الحديث دليل على أنه يعمل بالغالب ، لان الذي
يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب ، لكن الغالب هو المجازاة .
8 - ( وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) قال : لا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض
هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام متفق عليه . نفي الحل دال على التحريم ، فيحرم
هجران المسلم فوق ثلاثة أيام . ودل مفهومه على جوازه ثلاثة أيام . وحكمه جواز ذلك هذه
المدة ، أن الانسان مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفي له هجر أخيه ثلاثة أيام
ليذهب العارض تخفيفا على الانسان ودفعا للاضرار به ، ففي اليوم الأول يسكن غضبه
وفي الثاني يراجع نفسه ، وفي الثالث يعتذر ، وما زاد على ذلك كان قطعا لحقوق الاخوة .
وقد فسر معنى الهجر بقوله : يلتقيان . . . إلى آخره وهو الغالب من حال المتهاجرين عند
اللقاء . وفيه دلالة على زوال الهجر له برد السلام ، وإليه ذهب الجمهور ومالك والشافعي ،
واستدل له بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف ،
وفيه ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه قال أحمد وابن القاسم : إن كان يؤذيه ترك الكلام فلا
يكفيه رد السلام بل لا بد من الرجوع إلى الحال الذي كان بينهما ، وقيل : ينظر إلى حال
المهجور فإن كان خطابه بما زاد على السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزيل علة الهجر
كان من تمام الوصل وترك الهجر ، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك كفي السلام . وأما فوق اليوم
الثالث ، فقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب
نقصا على المخالف له في دينه أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه ، فرب هجر جميل
خير من مخالطة مؤذية . وتقدم الكلام في هجر من يأتي ما يلام عليه شرعا ، وقد وقع من
السلف التهاجر بين جماعة من أعيان الصحابة والتابعين وتابعيهم وقد عد الشارح جماعة من
أولئك يستنكر صدوره من أمثالهم أقاموا عليه ، ولهم أعذار إن شاء الله ، والحمل على السلامة
متعين والعباد مظنة المخالفة . وأما قول الذهبي : إنه لا يقبل جرح الاقران بعضهم على بعض
سيما السلف قال : وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة ، فقد بينا اختلال ما قال في ثمرات النظر
في علم الأثر ، وقد نقل في الشرح قضايا كثيرة لا يحسن ذكرها إذ طي ما لا يحسن ذكره
لا يحسن نشره .
9 - ( وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : كل
معروف صدقة أخرجه البخاري . المعروف : ضد المنكر . ابن أبي جمرة : يطلق اسم
المعروف على ما عرف من أدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا ، فإن قارنته
سبل السلام — صفحة 167
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص١٦٧