مطلوبا ما لم يفوت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه . والثالث : الانفاق في المباحات وهو منقسم
إلى قسمين ، أحدهما : أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإضاعة
ولا إسراف . والثاني : فيما لا يليق به عرفا فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو
متوقعة فذلك ليس بإسراف ، وإن لم يكن كذلك فالجمهور على أنه إسراف . قال ابن دقيق
العيد : ظاهر القرآن أنه إسراف وصرح بذلك القاضي حسين فقال في قسم الصدقات :
هو حرام وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم ، وقال الباجي من المالكية :
إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة ، قال : ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس
به إذا وقع نادرا لحادث كضيف أو عيد أو وليمة . والاتفاق على كراهة الانفاق في البناء الزائد
على قدر الحاجة ولا سيما إن انضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرف ، وكذلك احتمال الغبن
الفاحش في المبايعات بلا سبب . وقال السبكي في الحلبيات : وأما إنفاق المال في الملاذ
المباح فهو موضع اختلاف وظاهر قوله تعالى : * ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين
ذلك قواما ) * ، أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف . ومن بذل مالا كثيرا في عرض يسير
فإنه يعده العقلاء مضيعا انتهى . وقد تقدم الكلام في الزكاة على التصديق بجميع المال
بما فيه كفاية .
4 - ( وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ( ص )
قال : رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين . أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان
والحاكم . الحديث دليل على وجوب إرضاء الوالد لوالديه وتحريم اسخاطهما فإن الأول فيه
مرضاة الله ، والثاني فيه سخطه فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه من فروض الكافية كما
في حديث ابن عمر أنه جاء رجل يستأذنه ( ص ) في الجهاد فقال : أحي والداك ؟
قال : نعم ، قال ففيهما فجاهد ، وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى
رسول الله ( ص ) من اليمن فقال : يا رسول الله إني قد هاجرت قال : هل لك
أهل باليمن ؟ فقال : أبواي ، قال : أذنا لك ؟ قال : لا قال : فارجع فاستأذنهما فإن
أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وفي إسناده مختلف فيه وكذلك غير الجهاد من الواجبات . وإليه
ذهب جماعة من العلماء كالأمير حسين ذكره في الشفاء والشافعي فقالوا : يتعين ترك الجهاد
إذا لم يرض الأبوان إلا فرض العين كالصلاة فإنها تقدم وإن لمن يرض بها الأبوان بالاجماع .
وذهب الأكثر لي أنه يجوز فعل فرض الكفاية والمندوب وإن لم يرض الأبوان ما لم يتضرر
بسبب فقد الولد ، وحملوا الأحاديث على المبالغة في حق الوالدين وأنه يتبع رضاهما ما لم يكن
في ذلك سخط الله كما قال تعالى * ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا
تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) * قلت : الآية إنما هي فيما إذا حملاه على الشرك ومثله
غيره من الكبائر ، وفيه دلالة على أنه لا يطيعهما في ترك فرض الكفاية والعين ، لكن الاجماع
خصص فرض العين . وأما إذا تعارض حق الأب وحق الأم فحق الأم مقدم لحديث
البخاري قال رجل : يا رسول الله من أحق بحسن صحبتي ؟ قال : أمك - ثلاث مرات - ثم
سبل السلام — صفحة 164
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص١٦٤