على إيجاب الصلاة عليه في الصلاة . قلت : الجواب من وجهين : الأول : المتبادر في لسان
الصحابة من الصلاة في قوله : صلاتنا : الشرعية ، لا اللغوية ، والحقيقة العرفية مقدمة إذا ترددت
بين المعنيين . الثاني : أنه قد ثبت وجوب الدعاء في اخر التشهد ، كما عرفت من الامر به ،
والصلاة عليه ( ص ) قبل الدعاء واجبة ، لما عرفت من حديث فضالة ، وبهذا يتم
إيجاب الصلاة عليه ( ص ) بعد التشهد : قبل الدعاء الدال على وجوبه .
( وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : إذا
تشهد أحدكم ) مطلق في التشهد الأوسط ، والأخير ( فليستعذ بالله من أربع )
بينها بقوله : ( يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ، ومن
فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال . متفق عليه . وفي رواية لمسلم : إذا
فرغ أحدكم من التشهد الأخير ) هذه الرواية قيدت إطلاق الأولى ، وأبانت أن
الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير . ويدل التعقيب بالفاء أنها تكون قبل الدعاء المخير
فيه بما شاء . والحديث : دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر ، وهو مذهب الظاهرية . وقال
ابن حزم منهم : ويجب أيضا في التشهد الأول عملا منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه ، وأمر طاوس
ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها ، فإنه يقول بالوجوب ، وبطلان صلاة من تركها ، والجمهور
حملوه على الندب . وفيه : دلالة على ثبوت عذاب القبر . والمراد من فتنة المحيا : ما يعرض للانسان
مدة حياته من الافتتان بالدنيا ، والشهوات ، والجهالات . وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند
الموت . وقيل : هي : الابتلاء مع عدم الصبر . وفتنة الممات ، قيل : المراد بها الفتنة عند الموت ،
أضيفت إليه لقربها منه ، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر ، وقيل : أراد بها السؤال مع الحيرة ،
وقد أخرج البخاري : إنكم تفتنون في قبوركم مثل ، أو قريبا من فتنة الدجال ولا يكون هذا
تكريرا لعذاب القبر ، لان عذاب القبر متفرع على ذلك . وقوله : فتنة المسيح الدجال قال
العلماء أهل اللغة : الفتنة : الامتحان ، والاختبار ، وقد يطلق على : القتل والاحراق والتهمة
وغير ذلك ، والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المهملة ، وآخره حاء مهملة ، وفيه ضبط اخر ،
وهذا الأصح ، ويطلق على الدجال ، وعلى عيسى ، ولكن إذا أريد به الدجال : قيد باسمه . سمي
المسيح ، لمسحه الأرض ، وقيل : لأنه ممسوح العين . وأما عيسى فقيل له : المسيح ، لأنه خرج من
بطن أمه ممسوحا بالدهن ، وقيل : لان زكريا مسحه . وقيل : لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ .
وذكر صاحب القاموس : أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولا .
( وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أنه قال لرسول الله ( ص ) :
علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا )
يروى بالمثلثة وبالموحدة فيخير الداعي بين اللفظين ، ولا يجمع بينهما ، لأنه لم يرد إلا أحدهما
( ولا يغفر الذنوب إلا أنت ) إقرار بالوحدانية ( فاغفر لي ) استجلاب للمغفرة
( مغفرة ) نكرها للتعظيم : أي مغفرة عظيمة ، وزادها تعظيما بوصفها بقوله : ( من عندك ) ،
سبل السلام — صفحة 194
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص١٩٤