تقول إذا جامع الإنسان امرأته أو احتلم في ليل رمضان وترك الاغتسال متعمدا
حتى يطلع الفجر ، وقال أنا لا أريد أن اغتسل لأن الغسل عندك قبل طلوع
الفجر ، مندوب غير واجب على ما ذهبت إليه ، فقال هذا المكلف لا أريد أن
أفعل المندوب ، الذي هو الاغتسال في هذا الوقت ، الذي هو قبل طلوع الفجر ،
بلا تأخير ولا فصل ، فإن قلت : يجب عليه في هذا الوقت الاغتسال ، سلمت
المسألة بغير إشكال ، لأنه غير الوقت الذي عينته لوجوب الاغتسال ، وإن قلت :
لا يغتسل ، خالفت الإجماع ، وفيه ما فيه من الشناع ، وعندنا بإجماعنا أن الصيام
لا يصح إلا لطاهر من الجنابة قبل طلوع فجره ، وإنه شرط في صحة صيامه ،
بغير خلاف فيجب حينئذ الاغتسال ، لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به ، وهذا
مطرد في الأدلة والاعتلال .
قيل : ينحل هذا الإشكال ، ويزول هذا الخيال ، من وجهين اثنين ، وهو أن
الأمة بين قائلين : قائل يقول بوجوب هذا الاغتسال في جميع الشهور والأيام
والأوقات والساعات ، وهذا المعترض منهم ، وقائل يقول بوجوبه فيما عيناه
وشرحناه ، وليس هاهنا قائل ثالث يقول بأنه ندب في طول أوقات السنة ،
ما عدا الأوقات التي عينتموها ، وواجب في ليالي شهر رمضان ، فانسلخ من
الإجماع بحمد الله تعالى كما تراه وحسبه بهذا عارا وشنارا ( 1 ) .
فأما الوجه الآخر وهو قوله كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله ،
فصحيح ظاهره ومعناه ، إلا أن مسألتنا ليست من هذا الإلزام بسبيل ، ولا من
هذا القول بقبيل لأن الواجب الذي هو صيام رمضان يتم من دون نية الوجوب
للاغتسال ، وهو أن يغتسل لرفع الحدث مندوبا قربة لله تعالى ، وقد ارتفع حدثه ،
وصح صومه ، بلا خلاف ، فقد تم الواجب من دون نية الوجوب التي تمسك
هامش
( 1 ) الشنار بالفتح هو الشنيع وهو أقبح العيب .