الشر ويجلب به الخير ، فالربوبية هي الصفة الكريمة يربط العبد بالله سبحانه .
ثم ذكرا الشر الذي يهددهما بظهور آياته وهو الخسران - كأنهما اشتريا لذة
الأكل بطاعة الإرشاد الإلهي ، فبان لهما أن سعادتهما قد أشرفت بذلك على الزوال
في الحياة ، وذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشر عنهما ، فقالا : " وإن لم تغفر لنا
وترحمنا لنكونن من الخاسرين " أي إن خسران الحياة يهددنا وقد أطل بنا وما له
من دافع إلا مغفرتك للذنب الصادر عنا وغشيانك إيانا بعد ذلك برحمتك وهي
السعادة ، لما أن الإنسان بل كل موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة أن من شأن
الأشياء الواقعة في منزل الوجود ومسير البقاء أن تستتم ما يعرضها من النقص
والعيب ، وأن السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من عادة الربوبية .
ولذلك كان يكفي مجرد إظهار الحال وإبراز ما نزل على العبد من مسكنة
الحاجة ، فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدو الحاجة أبلغ السؤال وأفصح
الاقتراح .
ولذلك لم يصرحا بما يسألانه ولم يقولا : " فاغفر لنا وارحمنا " ولأنهما - وهو
العمدة - أوقفا أنفسهما بما صدر عنهما من المخالفة موقف الذلة والمسكنة التي لا
وجه معها ولا كرامة ، فنتجت لهما التسليم المحض لما يصدر في ذلك من ساحة
العزة ومن الحكم ، فكفا عن كل مسألة واقتراح ، غير أنهما ذكرا أنه ربهما ، فأشارا
إلى ما يطمعان فيه منه مع اعترافهما بالظلم .
فكان معنى قولهما : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من
الخاسرين " : أسأنا فيما ظلمنا أنفسنا فأشرفنا بذلك على الخسران المهدد لعامة
سعادتنا في الحياة ، فهو ذا الذلة والمسكنة أحاطت بنا ، والحاجة إلى إمحاء وسمة
الظلم وشمول الرحمة شملتنا ، ولم يدع ذلك لنا وجهة ولا كرامة نسألك بها ، فها
نحن مسلمون لحكمك أيها الملك العزيز ، فلك الامر ولك الحكم ، غير أنك ربنا
ونحن مربوبان لك ، نأمل منك ما يأمله مربوب من ربه .
ومن أدبهم ما حكاه الله تعالى من دعوة نوح ( عليه السلام ) في ابنه : " وهي تجري بهم
سنن النبي ( ص ) ( مع ملحقات ) — صفحة 45
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٤٥