حتى إذا زاغت ( 1 ) الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب
الناس وقال : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا
في بلدكم هذا .
ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن
أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ( 2 ) كان مسترضعا في بني سعد فقتلته
هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب
فإنه موضوع كله .
واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ،
ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا
غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف .
وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله . وأنتم تسألون عنى ، فما
أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت . فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى
السماء وينكتها ( 3 ) على الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات . ثم أذن ثم أقام ،
فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا .
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء
إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة ( 4 ) بين يديه واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت
الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق ( 5 ) للقصواء الزمام حتى إن رأسها لتصيب مورك ( 6 )
هامش
( 1 ) زاغت : مالت .
( 2 ) قيل اسمه آدم ، وقيل تمام . الروض الأنف 2 .
( 3 ) ينكتها : يقلبها ويرددها مشيرا إلى الناس وفى مسلم : إلى الناس . .
( 4 ) جبل المشاة : يروى بالحاء وبالجيم . ومعناه بالجيم الطريق . وبالحاء مجتمع المشاة .
( 5 ) شنق : ضيق .
( 6 ) المورك : الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله .