ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر ، وقد احتال بعض أمراء الحروب
في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة .
قال ابن إسحاق : ثم إن أبرهة بني القليس بصنعاء ، كنيسة لم ير مثلها في زمانها
بشئ من الأرض ، وكتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك
كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب .
فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة ، وسخرهم
فيها أنواعا من السخر ، وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة ،
وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة ، وركب فيها صلبانا
من ذهب وفضة ، وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس ، وجعل ارتفاعها عظيما جدا
واتساعها باهرا ، فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شئ
من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء ، وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين ،
كعيب وامرأته ، وكان طول كل منهما ستون ذراعا ، فتركها أهل اليمن على حالها .
فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس ، فبعث إليها جماعة من أهل
العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا .
قال ابن إسحاق : فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من
النسأة من كنانة ، الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم ، كما قررنا ذلك
عند قوله : ( إنما النسئ زيادة في الكفر ) .
قال ابن إسحاق : فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيها ( 1 ) ، أي أحدث
حيث لا يراه أحد ، ثم خرج فلحق بأرضه ، فأخبر أبرهة بذلك ، فقال من صنع هذا ؟
فقيل له : صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة ، لما سمع بقولك أنك
هامش
( 1 ) المطبوعة : فيه .