أعمار في البراري والقفار ، يضج بالتسبيح على مثال المسيح ، لا يقره قرار ولا تكنه دار
ولا يستمتع به جار ، كان يلبس الأمساح ويفوق السياح ، ولا يفتر من رهبانيته ، يتحسى
في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام ، ويستمتع بالظلام ، يبصر فيعتبر ، ويفكر فيختبر .
فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الأمثال ، وتكشف به الأهوال ، أدرك رأس
الحواريين سمعان .
وهو أول رجل تأله من العرب ووحد ، وأقر وتعبد ، وأيقن بالبعث والحساب ،
وحذر سوء المآب ، وأمر بالعمل قبل الفوت ، ووعظ بالموت ، وسلم بالقضا ، على
السخط والرضا ، وزار القبور ، وذكر النشور ، وندب بالاشعار ، وفكر في الاقدار ،
وأنبأ عن السماء والنماء ، وذكر النجوم وكشف الماء ، ووصف البحار ، وعرف الآثار ،
وخطب راكبا ، ووعظ دائبا ، وحذر من الكرب ومن شدة الغضب ، ورسل الرسائل ،
وذكر كل هائل ، وأرغم في خطبه ، وبين في كتبه ، وخوف الدهر ، وحذر الأزر ،
وعظم الامر ، وجنب الكفر ، وشوق إلى الحنيفية ، ودعا إلى اللاهوتية .
وهو القائل في يوم عكاظ : شرق وغرب ، ويتم وحزب ، وسلم وحرب ،
ويابس ورطب ، وأجاج وعذب ، وشموس وأقمار ، ورياح وأمطار ، وليل ونهار ،
وإناث وذكور ، وبرار وبحور ، وحب ونبات ، وآباء وأمهات ، وجمع وأشتات ،
وآيات في إثرها آيات ، ونور وظلام ، ويسر وإعدام ، ورب وأصنام ، لقد ضل
الأنام ، نشو مولود ، ووأد مفقود ، وتربية محصود ، وفقير وغنى ، ومحسن ومسئ ،
تبا لأرباب الغفلة ، ليصلحن العامل عمله ، وليفقدن الآمل أمله ، كلا بل هو إله
واحد ، ليس بمولود ولا والد ، أعاد وأبدى ، وأمات وأحيا ، وخلق الذكر والأنثى ،
رب الآخرة والأولى .
السيرة النبوية — صفحة 146
مساهمون: ابن كثير
ص١٤٦