يزيد بن المهلب بمئة ألف دينار ، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات ، فبعث بهن
إلى ابن المهلب فقومهن ، فقوبلن بثلاث مئة ألف دينار . فقال ابن المهلب لموسى : أتدري
لم قلت لأمير المؤمنين أنا أضمه ؟ قال : لا ، قال : خفت أن يجيبه قبلي من لا يرى فيك
ما أنا عليه لك ، وكانت لك يد عند المهلب رحمه الله . فأحببت أن أجزيك بها عنه ، وبالله
لو لم تفعل وأبيت عن المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب .
قال : فجزاه موسى خيرا .
ذكر يد موسى إلى المهلب
قال : وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم وصحبتهم قال : كانت
اليد التي أسداها موسى إلى المهلب ، أن عبد الملك بن مروان لما ولي العراق بشرا أخاه ، جعل
منه موسى بن نصير وزيرا ومديرا لأمره ، وقد كانت الأزارقة أفسدت ما هنالك ، فأمر
عبد الملك بشر بن مروان أن يولي المهلب قتالهم ، وكان بشر للمهلب مسيئا ، فلما قدم بشر
العراق ، وعلم المهلب برأيه ، اعتزل بشرا . فلم يأته ، فولى بشر بن مروان قتال الأزارقة ،
الوليد بن خالد ، فانهزم وافتضح ، ثم ولى بشر رجلا آخر ، فلم يصنع شيئا ، فكتب
عبد الملك إلى بشر أخيه ، يفند رأيه فيما صنع ، ويوبخه لما خالف أمره ، فصمم بشر على رأيه ،
فلما استغلظ أمر الأزارقة ، استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة ، وعكرمة بن ربعي ،
وموسى بن نصير في أمر المهلب . فأما عكرمة وأسماء فوافقا هواه فيه ، وأما موسى فقال له :
إن أمير المؤمنين لا يحتملك على المعصية ، وليس مثل المهلب في فضله وشرفه ، وقدره في قومه
ومعرفته ، أقصيت أو جفوت ، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه ، فاكشفه عنه ، حتى تعلم
عذره فيه أو ذنبه ، فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على بشر ، ويعطفه عليه ، بعد أن كان هم
بقتله إن ظفر به ، حتى أرسل إليه بشر فجاءه المهلب فتنصل إليه المهلب ، فقبل منه بشر ، وولاه
ما كان يلي ، فبعث إليه موسى بخمسين فرسا وبمئة بعير . وقال له : استعن بها على حربك ،
ثم لم يزل موسى قائما بأمره عند بشر ، حتى هلك بشر .
قالوا : وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الأيام التي كان يخاف فيها بشر بن مروان
على نفسه ، خرج إلى مال له ، فكان فيه وحده ، فأتى رجل إلى بشر وعنده موسى ، فقال
له : إن كان لك أيها الأمير بالمهلب حاجة فابعث خيلا إلى موضع كذا وكذا ، فإنه فيه في غار
وحده ، وليس معه فيه رجل من قومه . فبعث بشر خيلا ، قال : فنهض من مجلسه موسى ،
فوجه إليه غلاما له ، ثم قال له : أنت حر لوجه الله ، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي