ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك . قال سهل : وأمر بضم أموالهم ، فوجد من العشرين
ألفا التي كانت مبلغ جبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة ، بتفسيرها
وفيمن حبوا بها ، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق يحيى بها ، وأثبت ذلك
في ديوانها على تواريخ أيامها ، وساعات أعطياتها ، فكان ديوان إنفاق ، واكتساب فائدة ،
وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وست مئة ألف وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم
ودورهم ورباعهم ورياشهم ، والدقيق ( 1 ) والجليل من مواعينهم ، فإنه لا يصف أقله ، ولا يعرف
أكثره إلا من أحصى الأعمال ، وعرف منتهى الآجال . وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة
المهدي ، فوالله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه ، وصار من
موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه . وكانت أم جعفر بن يحيى فاطمة بنت
محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر ، وكان ربي في
حجرها ، وغذي برسلها ، لأن أمه ماتت عن مهده ، فكان الرشيد يشاورها مظهرا
لإكرامها ، والتبرك برأيها ، وكان قد آلى على نفسه ، وهو في كفالتها أن لا يحجبها ، وأن
لا تستشفعه لأحد إلا شفعها ، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ، ولا
تشفعت لأحد لغرض دنيا . قال سهل : فكم أسير فكت ، ومبهم عنده فتحت ، ومستغلق منه
فرجت . قال : واحتجب الرشيد بعد قدومه ، فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة ، ومتت
بوسائلها إليه ، فلم يأذن لها ولا أمر بشئ فيها ، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها ،
واضعة لثامها ، محتفية في مشيتها ، حتى صارت بباب قصر الرشيد ، فدخل عبد الملك بن الفضل
الحاجب ، فقال ظئر ( 2 ) أمير المؤمنين بالباب ، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة
أم الواحد ، فقال له الرشيد : ويحك يا ابن الفضل : أو ساعية ؟ فقال : نعم أصلح الله الأمير
حافية . فقال : أدخلها يا عبد الملك ، فرب كبد كريم غذتها ، وكربة فرجتها ، وعورة
سترتها . فقال سهل : فوالله ما شككت في شئ قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها
بحاجتها . فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس ، فأكب
على تقبيل رأسها ومواضع ثديها ، ثم أجلسها معه . فقالت يا أمير المؤمنين ، أيعدو علينا الزمان ،
ويجفونا خوفا لك الإخوان ، يحردك بنا البهتان ، ويوسوس لك بأذانا الشيطان ، وقد ربيتك
هامش
( 1 ) الدقيق : الصغير الحقير ، والجليل الكبير العظيم .
( 2 ) الظئر : في الأصل العاطفة على ولد غيرها ثم أطلق على المرضعة لولد غيرها ، أي
مرضعة أمير المؤمنين بالباب ، ويطلق الظئر أيضا على الرجل زوج المرضعة لغير ولدها .