أو عابر سبيل ، لا حاجة له فيما مر به . فيقال له : ما حاجتك ، وما قصتك ، وما
ظلامتك ؟ فيقول : إنما سلكت أريد موضع كذا ، أروم بلد كذا ، فيقول له : لعلك
ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره ، وتتوقع سطوته ، فذلك الذي منعك عن رفع
ظلامتك إلى أمير المؤمنين ، فيقول : لا ، والله لا أبغي إلا ما قلت . فيقال له : اذهب
بسلام ، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل ، وساعات من النهار لا ينظر في شئ ،
ولا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب ، وتعففا من المظالم ، ووقاية من سطواته ،
وتخوفا من عقوبته ، وقد وسع العباد أمنه ، وأشعرهم عدله ، وصارت البلاد المتنائية الشاسعة ،
كدار واحدة ، ترجع إلى حاكم قاض ، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه ،
وقد وضع العيون والجواسيس من خيار الناس ، وفضلاء العباد ، في سائر الأمصار والبلدان ،
يحصون أقوال الولاة والعمال ، ويحفظون أعمال الأخيار والأشرار ، قد صار هؤلاء أعقابا
يتعاقبون ، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الذي كانوا فيه ، ويقبل آخرون يدخلون
مسترقين ، ويخرجون متفرقين ، لا يعلم منهم واحد ، ولا يرى لهم عابر ، فلا خبر يكون ، ولا
قصة تحدث ، من مشرق الأرض ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام ، وينظر فيه هشام ،
وقد قصر نفسه على هذه الحال ، وحببت إليه هذه الأفعال ، فكانت أيامه عند الناس أحمد
أيام مرت بهم ، وأعفاها وأرجاها ، قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود ،
وارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع والسكون ، وكان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا ،
والاستمتاع بالكساء ، لم يلبس ثوبا قط يوما ، فعاد إليه ، حتى لقد كان كساء ظهره ، وثياب
مهنته ، لا يستقل بها ، ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير ، من أجلد ما يكون من الإبل ، وأعظم
ما يحمل عليه من الجمال ، وكان مع ذلك يتقللها ، وطالت أيامه ، واستبطأ صاحب العهد بموته ،
فناوأه وعاداه ، وانتقل عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد ابن عبد الملك ، فمات
هشام والوليد غائب ، فأتاه موته ، فأمر بقفل الخزائن ، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به ،
واستؤذن الوليد في إقباله ، فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد ، وذلك في ثلاثة أيام .
بدء الفتن والدولة العباسية
قال : وذكروا أن الهيتم بن عدي أخبرهم ، قال : اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا
وروينا ذكر الدولة ، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه ، فكان أول ما اختلفت فيه الرواية ،
ولم تلائمه الحكاية ، أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله ، واقتصرنا على
معانيها ، وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها ، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ ، ورددنا
هزيله لنزر فائدته ، وقلة عائدته ، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا ،
والله الموفق للصواب .
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 108
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٠٨