أمانتي ، فمن أين أقبلت تشكو الكلل والجوع ؟ قال : من الشام ، شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز ،
وحضرت جنازته . قالت : إنا لله وإنا إليه راجعون . نور كان في الدنيا فطمس ، ثم زالت عنه ،
وتنحت وفرت منه ، وهابته خوفا من أن يعدو عليها ، ثم انسل الكلب ذاهبا ، فلما أصبح
الرجل جعل يقول للهرة : أي جنة ، جزاك الله عنا خيرا . قال : فاستوبرت ( 1 ) الهرة ، وذهبت
فلم ترد بعد ، فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم .
وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال : كان رجل في بعض كور الشام يعالج أندرا ( 2 )
له مع زوجته ، وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل ، فنظر الرجل إلى فارس مقبل
نحوهما . فقال الرجل لزوجته : يا فلانة ، هذا والله ابني وابنك مقبلا ، فنظرت المرأة فقالت :
أخدعك الشيطان ؟ إنك مفتون بابنك ، وإنك تشبه به الناس كلهم ، كيف يكون ابنك ،
وابنك استشهد منذ حين ، فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان الرجيم ، ثم أقبل على أندره يعالجه ،
ودنا منهما الفارس ، ثم نظر ثانية ، قال : يا فلانة ، ابني والله وابنك ، فنظرت ودنا منهما
الفارس ، فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما . قال : فسلم عليهما وسلما عليه . فقالا له : يا بني
أما كنت استشهدت منذ حين ؟ قال : نعم . إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي الليلة ، فاستأذن
الشهداء ربهم عز وجل في شهود جنازته ، فأذن لهم ، وكنت فيهم ، فاستأذنت ربي في زيارتكما
والنظر ، فأذن لي ، ثم ودعاه ، وسلما عليه ، ودعا لهما ، ثم ذهب :
ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان
قال : وذكروا أن الأمر صار بعد عمر بن عبد العزيز ، إلى يزيد بن عبد الملك ، بعهد
سليمان أخيه إليه بذلك ، وإلى عمر ، وكان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في
نفسه ، وهديه وتواضعه وقصده ، وكان الناس لا يشكون إذا صار إليه الأمر ، أن يسير بسيرة
عمر لما ظهر منه . فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به ، وسار بسيرة الوليد أخيه ،
واحتذى على مثاله ، وأخذ مأخذه ، حتى كأن الوليد لم يمت ، فعظم ذلك على الناس ، وصاروا
من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها ، حتى هموا بخلعه ، وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش ،
وخيار بني أمية ، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدى عمر ، واطمأنت إلى عدله بعد النفار ،
والانكار لسيرته ، وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره ، والقنوع بقصده عليهم ، وتقصيره في
إدراك المطامع ، والعطايا عليهم ، واتهم منهم نفر بالخلع والخروج ، فأخذهم عمه محمد بن
هامش
( 1 ) استوبرت الهرة : أي توحشت وسارت في أمكنة بعيدة
( 2 ) الأندر : البيدر : الجرن الذي يدرس فيه القمح ونحوه ، ويعالجانه يعملان شيئا فيه
لإصلاحه أو نحوه