فقالوا : دخلنا وفرغنا من الناس ، فقال بعض أصحابي لبعض : تعالوا حتى ننظر إلى القتلى ،
فتقلدت سيفي وخرجت ، فجعلنا ننظر إلى القتلى ونقول : هذا فلان ، وهذا فلان ، فإذا رجل
في بعض تلك الدارات في يده سيف ، وقد أزبد شدقاه ، وحوله صرعى من أهل الشام ، فلما
أبصرني قال : يا كلب احقن عني دمك . قال فنسيت والله كل شئ ، فحملت عليه ، فقاتلته فقتلته ،
فسطع نور بين عينيه وسقط في يدي ، قلت : من هذا ؟ فقيل لي : هذا محمد بن عمرو بن حزم ،
فجعلت أدور مع أصحابي ، فيقولون : هذا فلان ، وهذا فلان . فمر إنسان لا يعرف ، فقال :
من قتل هذا ، ويحكم ، يريد محمد بن عمرو بن حزم ! قتله الله ، والله لا يرى الجنة بعينه أبدا .
عدة من قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم
قال : وذكروا أنه قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا ،
ولم يبق بدري بعد ذلك ، ومن قريش والأنصار سبع مئة ، ومن سائر الناس من الموالي
والعرب والتابعين عشرة آلاف ، وكانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث
وستين . قالوا : وكان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر ،
ولم يكن مع ابن الزبير إلا نفر قليل ، وكان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل ، والله
ما استطاعوا أن يناهضوهم يوما إلى الليل .
كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد
قال : وذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل المدينة ونهبها ، كتب إلى يزيد بن معاوية
بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة ، سلام
عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : تولى الله
حفظ أمير المؤمنين والكفاية له ، فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله ، أني خرجت من دمشق
ونحن على التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية ، فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين
بوادي القرى ، فرجع معنا مروان بن الحكم ، وكان لنا عونا على عدونا ، وإنا انتهينا إلى
المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق ، وأقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح وأدخلوا
ماشيتهم ، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون ، وإنا أعذرنا إليهم ، وأخبرناهم بعهد
أمير المؤمنين ، وما بذل لهم ، فأبوا ، ففرقت أصحابي على أفواه الخنادق ، فوليت الحصين
بن نمير ، ناحية ذناب وما والاها ، وعلى الموالي وجهت حبيش بن دجلة إلى ناحية بني سلمة ،