خذوا للحرب أهبتها ، وأعدوا لها التهيؤ ، فإنها قد وقدت نارها ، وعلا سناها ( 1 ) ، وتجرد
لكم فيها الظالمون ، كيما يطفئوا نور الله ويقهروكم ، عباد الله ، ألا إنه ليس أولياء الشيطان
من أهل الطمع والجفاء ، بأولى في الجد في غيهم وضلالهم وباطلهم ، من أهل النزاهة والحق
والإخبات بالجد في حقهم ، وطاعة ربهم ، ومناصحة إمامهم ، إني والله لو لقيتهم وحيدا
منفردا ، وهم في أهل الأرض إن ( 2 ) باليت بهم أو استوحشت منهم ، إني في ضلالهم الذي هم
فيه ، والهدى الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة ويقين وبينة من ربي ، وإني للقاء ربي لمشتاق
ولحسن ثوابه لمنتظر راج ، ولكن أسفا يعتريني ، وجزعا يريبني من أن يلي هذه الأمة
سفهاؤها وفجارها ، فيتخذون مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، والصالحين حربا ، والقاسطين
حزبا ( 3 ) ، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وجمعكم ، وتحريضكم ، ولتركتكم ، فوالله إني لعلى
الحق ، وإني للشهادة لمحب ، أنا نافر بكم إن شاء الله ، فانفروا خفافا وثقالا ، وجاهدوا
بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، إن الله مع الصابرين .
مقتل علي عليه السلام
قال المدائني : حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين ، وقد اختلف عامل علي وعامل
معاوية ، فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان ، فلما انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج
مجاورين بمكة ، فقالوا : كان هذا البيت معظما في الجاهلية ، جليل الشأن في الإسلام ، وقد
انتهك هؤلاء حرمته ، فلو أن قوما شروا ( 4 ) أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في
الأرض ، واستحلا حرمة هذا البيت ، استراحت الأمة ، واختار الناس لهم إماما . فقال
عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله : أنا أكفيكم أمر علي . وقال الحجاج بن عبد الله
الصريمي ، وهو البرك : أنا أقتل معاوية . فقال : أذويه مولى بني العنبر ، واسمه عمرو بن بكر
والله ما عمرو بن العاص بدونهما . فأنا به : فتعاقدوا على ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب . واتفقوا
على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم في علي ومعاوية وعمرو ، ثم سار كل منهم في طريقه
فقدم ابن ملجم الكوفة وكتم أمره ، وتزوج امرأة يقال لها : قطام بنت علقمة ، وكانت
خارجية ، وكان علي قد قتل أخاها في حرب الخوارج . وتزوجها على أن يقتل عليا . فأقام
هامش
( 1 ) سناها : ضوؤها .
( 2 ) إن هنا بمعنى ما النافية أي ما باليت بهم .
( 3 ) سبق بيان معنى الخول والقاسطين قريبا .
( 4 ) باعوا أنفسهم .