اختلاف أهل العراق في الحكمين
قال : وذكروا أن عليا لما استقام رأيه على أن يرسل عبد الله بن عباس مع عمرو بن العاص ،
قام إليه الأشعث بن قيس ، وشريح بن هانئ ، وعدي ابن حاتم ، وقيس بن سعد ، ومعهم
أبو موسى الأشعري ، فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى الأشعري وافد أهل اليمن إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحب مغانم أبي بكر ، وعامل عمر بن الخطاب ، وقد عرضنا على
القوم ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك ، ضنين في أمرك ، وأيم الله لو لقيت به عمرا
لأخذ بصره ، وغم صدره . ولكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق وأهل الشام
بتقيته . فتكلم شبيب بن ربعي ، فقال إنا والله وإن خفنا على أبي موسى من عمرو ما لا يخافه
أهل الشام على عمرو من أبي موسى ، فلعل ما خفناه لا يضرنا ، ولعل ما رجوا لا ينفعهم ، فإن
قلت في أبي موسى ضعف فضعفه وتقاه خير من قوة عمرو وفجوره ، فأغلق به البلاء ، وافتح
به العافية . ثم تكلم ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك أجبت الله وأجبناك ، ولكنا
نقول : الله بيننا وبينك ، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشر من أرسلت الخائن العاجز ،
ولست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد ، أن لا يجعل حقك لغيرك ، فيدرك حاجته منك . ثم قال
لأبي موسى : اعلم أن معاوية طليق الإسلام ، وأن أباه رأس الأحزاب ، وأنه ادعى الخلافة من
غير مشورة ، فإن صدقك فقد حل خلعه ، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه ، وإن ادعى
أن عمر وعثمان استعملاه ، فلقد صدق ، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من
المريض ، يحميه ما يشتهي ، ويوجره ( 1 ) ما يكره ، ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من
استعملا ممن لم يدع الخلافة ، واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبرا يسوؤك ، ومهما
نسيت فلا تنس أن عليا بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وأنها بيعة هدى ، وأنه لم
يقاتل إلا عاصيا أو ناكثا . فقال أبو موسى : رحمك الله ، أما والله ما لي إمام غير علي ،
وإني لواقف عندما رأى ، ولرضاء الله تعالى إلى من رضاء الناس ، وما أنا وأنت
إلا بالله تعالى .
ما قال أهل الشام لأهل العراق
قال : وذكروا أن أهل الشام قالوا لأهل العراق : أعطونا رجالا نسميهم لكم ، يكونوا
شهودا على ما يقوله صاحبنا وصاحبكم ، بيننا وبينكم صحيفة ، فقال علي : سموا من أحببتم ،
هامش
( 1 ) يوجره : يسقيه ، والمراد هنا يحمله على ما يكره .