نقاتل بها ، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه ، وذهب الحياء الذي كنا نمارى به ،
فاستظلوا في هذا الفئ ، واسكنوا في هذه العافية ، فإن قلتم : نقاتل على ما كنا نقاتل عليه
أمس ، هيهات هيهات ، ذهب والله قياس أمس ، وجاء غد . فأعجب عليا قوله ، وافتخرت
به الأنصار ، ولم يقل أحد بأحسن من مقاتله .
ما قال عدي بن حاتم
ثم قام عدي بن حاتم ، فقال : أيها الناس ، إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة
ما أجبناه ، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان ، وفي يديه من الله سبب ، وإنه وقف
عن عثمان بشبهة ، وقاتل أهل الجمل على النكث ، وأهل الشام على البغي ، فانظروا في أموركم
وأمره ، فإن كان له عليكم فضل ، فليس لكم مثله ، فسلموا له ، وإلا فنازعوا عليه ، والله لئن
كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما ، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله ،
والرأس في الإسلام ، ولئن كان إلى الزهد والعبادة ، إنه لأظهر الناس زهدا ، وأنهكهم ( 1 )
عبادة ، ولئن كان إلى العقول والنحائز ( 2 ) ، إنه لأشد الناس عقلا ، وأكرمهم نحيزة ، ولئن
كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة ، ولئن كان إلى الرضا ، لقد رضي به
المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي الله عنهم ، وبايعوه بعد عثمان ، ونصروه على أصحاب
الجمل وأهل الشام ، فما الفضل الذي قربكم إلى الهدى ، وما النقص الذي قربه إلى الضلال ، والله
لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض ، وكتاب سابق .
فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام ، ورجع كل من تشعب على
علي رضي الله .
ما قال عبد الله بن حجل
ثم قام عبد الله بن حجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة ،
كانت عندنا أمرا واحدا ، فقبلناها بالتسليم ، وهذه مثل تلك الأمور ، ونحن أولئك أصحابك ،
وقد أكثر الناس في هذه القضية ، وأيم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف ،
وقد أخذت الحرب بأنفاسنا ، فلم يبق إلا رجاء ضعيف ، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه ،
هامش
( 1 ) أنهكهم عبادة : أكثرهم عبادة حتى إن عبادته لتشق فتنهك القوى .
( 2 ) النحائز : جمع نحيزة وهي الطبيعة .