تعصر الأمة الوكساء ( 1 ) ، إذا أنا مت فاغسلني ، وكفني ، وصل علي وأسلمني إلى
عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي ، وأخرج أنت إلى الناس ، والبس لهم جلد
نمر ، واقعد على المنبر ، وادع الناس إلى بيعتك ، فمن مال بوجهه عنك كذا ،
فقل له بالسيف كذا ( 2 ) ، تنكر للصديق والقريب ، واسمع للبعيد ، وأوصيك
بالحجاج خيرا ، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر ، وكفاكم تقحم تلك الجرائم .
قال : فلما توفي عبد الملك ، ومات من يومه ذلك ، خرج الوليد إلى
الناس ، وقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : نعمة ما أجلها ،
ومصيبة ما أعظمها ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . نقل الخلافة ، وفقد الخليفة ( 3 ) ،
ثم دعا الناس إلى البيعة ، فلم يختلف عليه أحد ، ثم كان أول ما ظهر من أمره ،
وتبين من حكمه ، أن أمر بهدم كل دار ومنزل ، من دار عبد الملك إلى قبره ،
فهدمت من ساعتها ، وسويت بالأرض ، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا
وشمالا ، وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله ، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق
والأمصار ، وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد . فدخل
عليه سليمان بن عبد الملك . فقال له : يا أمير المؤمنين ، اعزل الحجاج بن
يوسف عن العراقين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح . فقال له الوليد : إن
عبد الملك قد أوصاني به خيرا . فقال سليمان : عزل الحجاج والانتقام منه من
طاعة الله ، وتركه من معصية الله . فقال الوليد : سنرى في هذا الأمر ، وترون إن
شاء الله ، ثم كتب الحجاج إلى الوليد : أما بعد ، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير
المؤمنين في حداثة سنك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في
البلاد ، والملك للعباد ، والنصر على الأعداء ، فعليك بالإسلام ، فقوم أوده ،
وشرائعه وحدوده ، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم ، فإنه قل ما يؤتى
الناس من خير أو شر ، إلا أفشوه في ثلاثة أيام ، والسلام .
هامش
( 1 ) في الأخبار الطوال ص 325 : الأمة الورهاء ( يعني الجارية الحمقاء ) وفي البداية والنهاية
9 / 81 : أتحن حنين الجارية والأمة . والوكساء : الخسيسة .
( 2 ) في مروج الذهب : وضع سيفك على عاتقك ، فمن أبدى ذات نفسك لك فاضرب عنقه ،
ومن سكت مات بدائه .
( 3 ) قارن مع الطبري 6 / 423 وابن الأثير 3 / 183 البداية والنهاية 9 / 84 . مروج الذهب
3 / 197 . وفي هذه المصادر ذكرت له على المنبر خطبة أخرى وذلك بعد عودته من دفن
والده عبد الملك .