ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممن حضر الكتاب
عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود ، وكانوا عشرة ، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه
إلى عثمان والكتاب في يد عمار ، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده ،
فمضى حتى جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شات ، فدخل عليه
وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية ، فدفع إليه الكتاب فقرأه ، فقال له :
أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : ومن كان معك ؟ قال : كان معي نفر
تفرقوا فرقا ( 1 ) منك ، قال : من هم ؟ قال : لا أخبرك بهم . قال : فلم اجترأت علي
من بينهم ؟ فقال مروان : يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود ( يعني عمارا ) قد
جرأ عليك الناس ، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه ، قال عثمان : اضربوه ،
فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه ، فغشي عليه ، فجروه حتى طرحوه
على باب الدار ، فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام ، فأدخل
منزلها ، وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم ، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر ،
عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة ، فقال : أما والله لئن مات عمار من ضربه
هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية ، فقال عثمان : لست هناك ( 2 ) .
قال : ثم خرج عثمان إلى المسجد ، فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب
الرأس ، فقال له عثمان : والله يا أبا الحسن ما أدري : أشتهي موتك أم أشتهي
حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك ، لأني لا أجد منك خلفا ،
ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا ، ويعدك كهفا وملجأ ، لا يمنعني
منه إلا مكانه منك ، ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاق من أبيه : إن مات
فجعه ، وإن عاش عقه . فإما سلم فنسالم ، وإما حرب فنحارب ، فلا تجعلني بين
السماء والأرض ، فإنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا ، ولئن قتلتك لا أجد
منك خلفا ، ولن يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة . فقال علي : إن فيما تكلمت به
لجوابا ، ولكني عن جوابك مشغول بوجعي . فأنا أقول كما قال العبد الصالح :
( فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ) [ يوسف : 18 ] ، قال مروان : إنا
والله إذا لنكسرن رماحنا ، ولنقطعن سيوفنا ، ولا يكون في هذا الأمر خير لمن
هامش
( 1 ) فرقا بفتح أوله وثانيه : خوفا .
( 2 ) فيما ذكره المسعودي وابن كثير من أسباب النقمة على عثمان هو ما ناله عمار من الفتن والضرب .