لولايتك ، ومن شرك مشفقون ( 1 ) ، فأرسلوني أنظر : أحلو أنت أم مر ؟ قال : فرفع
عمر يديه إلى السماء وقال : اللهم حببني إلى الناس ، وحببهم إلي .
قال : فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر ، فوالله ما فارق الدنيا حتى أحب
ولايته من كرهها . لقد كانت إمارته فتحا ، وإسلامه عزا ونصرا ، اتبع في عمله
سنة صاحبيه وآثارهما ، كما يتبع الفصيل أثر أمه ، ثم اختار الله له ما عنده .
قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال عمرو بن ميمون : شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن ، فما منعني أن
أكون في الصف الأول إلا هيبته ، فكنت في الصف الذي يليه ، وكان عمر لا
يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه ، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو
متأخرا ضربه بالدرة ، فذلك الذي منعني من التقدم . قال : فأقبل لصلاة الصبح ،
وكان يغلس بها ( 2 ) ، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، فطعنه ثلاث
طعنات ( 3 ) ، فسمعت عمر وهو يقول : دونكم الكلب ، فإنه قد قتلني ، وماج الناس
، فجرح ثلاثة عشر رجلا ( 4 ) ، وصاح بعضهم ببعض : دونكم الكلب ، فشد عليه رجلا
من خلفه ، فاحتضنه ، وماج الناس ، فقال قائل : الصلاة عباد الله ، طلعت
الشمس . فدفعت عبد الرحمن بن عوف ، فصلى بأقصر سورتين في القرآن ،
واحتمل عمر ، ومات من الذين جرحوا ستة أو سبعة ( 5 ) ، وجرى الناس إلى عمر ،
فقال : يا بن عباس ، اخرج فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا ؟
فخرج فنادى ، فقالوا : معاذ الله ، ما علمنا ولا اطلعنا ، قال : فأتاه الطبيب فقال :
أي الشراب أحب إليك ؟ قال : النبيذ فسقوه نبيذا ، فخرج من بعض طعناته .
فقال الناس ( 6 ) : صديد ، اسقوه لبنا ، فخرج اللبن ، فقال الطبيب : لا أرى أن
هامش
( 1 ) أي خائفون ومترقبون .
( 2 ) الغلس هو آخر ظلمة الليل . كان عمر يصلي صلاة الصبح مبكرا .
( 3 ) ابن سعد 3 / 345 وفي ابن الأثير 3 / 50 ست طعنات . وكانت إحدى الطعنات تحت السرة وهي
التي قتلته .
( 4 ) في ابن سعد : طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره ، فمات منهم ستة وأفرق ستة ،
وفي رواية له كالأصل . فأفلت أربعة ومات تسعة أو أفلت تسعة ومات أربعة ، ولما أدرك أنه
مأخوذ - بعد أن ألقى عليه اليربوعي - نحر نفسه بخنجره ( فتح الباري 7 / 51 ) .
( 5 ) أنظر الحاشية السابقة .
( 6 ) في ابن سعد : الذي أشار بسقيه اللبن طبيب من الأنصار من بني معاوية والمراد بالنبيذ المذكور :
تمرات نبذت في ماء أي نفقت فيه ، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء .