إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : تولى الله حفظ أمير المؤمنين والكفاية له ،
فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله ، أني خرجت من دمشق ونحن على التعبئة التي
رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية ، فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين بوادي
القرى ، فرجع معنا مروان بن الحكم ، وكان لنا عونا على عدونا ، وإنا انتهينا إلى
المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق ، وأقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح
وأدخلوا ماشيتهم ، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون ، وإنا أعذرنا
إليهم ، وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين ، وما بذل لهم ، فأبوا ، ففرقت أصحابي
على أفواه الخنادق ، فوليت الحصين بن نمير ، ناحية ذناب وما والاها ، وعلى
الموالي وجهت حبيش بن دلجة ( 1 ) إلى ناحية بني سلمة ، ووجهت عبد الله بن
مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد ( 2 ) ، وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين ورجاله
في وجوه بني حارثة ، فأدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار ، من ناحية عبد
الأشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه مروان بن الحكم إلى صنيع أمير
المؤمنين ، وما تضمن له عنه من قرب المكان ، وجزيل العطاء ، وإيجاب الحق ،
وقضاة الذمام ، وقد بعثت به إلى أمير المؤمنين ، وأرجو من الله عز وجل ، أن
يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصنع وأسدى من الفضل ، وكان أكرم الله
أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم ، وجميل مشهده ، وسديد بأسه ،
وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين ، ما لا إخال ذلك ضائعا عند إمام المسلمين
وخليفة رب العالمين إن شاء الله ، وسلم الله رجال أمير المؤمنين ، فلم يصب
منهم أحد بمكروه ، ولم يقم لهم عدوهم من ساعات نهارهم أربع ساعات ، فما
صليت الظهر - أصلح الله أمير المؤمنين - إلا في مسجدهم ، بعد القتل الذريع ،
والانتهاب العظيم ، وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف لنا منهم ، وأتبعنا
مدبرهم وأجهزنا على جريحهم ، وانتهبناهم ثلاثا كما قال أمير المؤمنين ، أعز الله
نصره ، وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن عفان ، في حرز وأمان ،
فالحمد لله الذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم ، والنفاق العظيم ،
فطالما عتوا ، وقديما ما طغوا .
وكتبت إلى أمير المؤمنين ، وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا ،
هامش
( 1 ) بالأصول : " دجلة " تحريف .
( 2 ) بقيع الغرقد : مقبرة المدينة .