إلى أهل المدينة ، أعلمهم فيه قول يزيد ، وأحضهم على الطاعة والتسليم ،
والرضا والقبول لما بذل لهم ، وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه ، وقلت لرسولي :
اجهد السير ، فدخلها في عشر ، فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه ، وقالوا : والله لا
يدخلها عنوة أبدا .
كتاب يزيد إلى أهل المدينة
قال : وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا ، وأمر عثمان بن محمد يقرأه
عليهم ، فقدم الكتاب المدينة ، وعثمان خائف ، فقرأه عليهم ، فإذا فيه : بسم الله
الرحمن الرحيم : أما بعد ، فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم ، ورفعتكم حتى
أخرقتكم ( 1 ) ، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم ، وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم
تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث
عاد وثمود ، وأيم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي ، فلا أفلح من ندم ( 2 ) .
ما أجمع عليه أهل المدينة ورأوه من إخراج بني أمية
قال : وذكروا أنه لما قرئ الكتاب ، تكلم عبد الله بن مطيع ورجال معه
كلاما قبيحا ، فلما استبان لهم أن يزيد باعث الجيوش إليه ، أجمعوا على
خلافهم ( 3 ) ، واختلفوا في الرياسة أيهم يقوم بهذا الأمر . فقال قائل : ابن مطيع ،
هامش
( 1 ) أخرقتكم : جعلتكم خرقى أي حمقى .
( 2 ) قارن مع العقد الفريد 4 / 388 .
( 3 ) لم يكن كتاب يزيد إلى أهل المدينة السبب في خلافهم عليه ، وقد يكون هو العامل الذي حرك
الأسباب الحقيقية لتحرك أهل المدينة خاصة ودفعها إلى الواجهة حيث أخذت المواجهة بين
المدنيين والحكم الأموي المتمثل بيزيد الطابع الصدامي والأكثر دموية .
ولحركة المدينة أسباب كثيرة منها سياسية ومنها اقتصادية واجتماعية وأهم هذه الأسباب :
- السياسة الأموية التي وضع معاوية بن أبي سفيان خطوطها الأولى كانت وراء الأزمة الاقتصادية
التي عصفت بالمدينة والتي دفعت بها إلى حدود الضيق والفقر ( انظر تفاصيل حول هذه السياسة
أوردها د . إبراهيم بيضون في كتابه الحجاز والدولة الإسلامية 250 وما بعدها )
- القهر السياسي الذي عانى منه الحجاز عامة ، والمدينة ومكة خاصة حيث حظر على زعمائها
تجاوز الاهتمامات الاجتماعية والثقافية بعد انتقال الخلافة إلى الشام
- رفض الحكم الأموي ، وقد جاء غياب معاوية فرصة لإظهار هذا الرفض من الخفاء إلى العلن
وقد كان غيابه مؤشرا للانفجار المرتقب ، وقد كان وجوده عاملا في منعه أو تجميده .
- فشل الخليفة يزيد أمام الأزمات الخطيرة التي واجهت حكمه وانغماسه ( حسب الروايات ) بالترف
والمجون واستغراقه حتى العبث في حياته الخاصة ساهم في إذكاء روح المعارضة وتجرؤها على
الاعلان عن نفسها .
- ضربه الرموز الإسلامية بمنتهى العنف ، حيث رأى في أتباعه هذه السياسة مدخلا إلى إثبات
حضوره السلطوي لكن هذا شجع المعارضة على المبادرة إلى اتخاذ موقف علني ضده
- ثورة الحسين التي كانت السباقة إلى رفض الأمر الواقع والتي انتهت بمأساة دموية في العراق
وأوقعت النظام الأموي في ارتباك شديد .
- حركة ابن الزبير التي استطاعت أن تستثمر النقمة المتزايدة على الحكم الأموي
- وجود الوالي عثمان بن محمد بن أبي سفيان والذي وصفه بأنه غر قليل التجربة حديث السن
وإخفاقه في التعاطي مع المستجدات الخطيرة في مكة والمدينة
- محاولة أهل المدينة ( الأنصار ) إعادة التوازن الذي اختل منذ السقيفة ، وهنا لا بد من الإشارة
إلى أن دعوة ابن الزبير للمدينة لبيعته بعد مقتل الحسين لم يرافقها في المدينة كثير من الحماسة
فقد انقسمت بين مؤيد له ومتحفظ ومتردد ، لكن اللقاء مع ابن الزبير تمحور حول هدف كبير
مشترك هو الإطاحة بالخليفة الأموي . وما تولي عبد الله بن حنظلة ( من الأوس ) ، ( وهو ما سيرد
بعد أسطر ) إلا الإشارة على التوجه الأنصاري لأهل المدينة . وهذا ما سيؤدي إلى استفراد المدينة
في الحملة العسكرية التي استهدفتها .