المكارم ، وارتجى لحمل العظائم ، وأشد الناس في العدو نكاية ، وأحسنهم صنعا
في الولاية ، وأنت أغنى بأمرك ، وأحفظ لوصيتك ، وأحرز لنفسك . أسأل الله
لأمير المؤمنين العافية في غير جهد ، والنعمة في غير تغيير .
ما قال الأحنف بن قيس
قال : فقال معاوية : أو كلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا ؟ فقالوا : كلنا قد
أجمع رأيه على ما ذكرنا . قال : فأين الأحنف ؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلم ؟ فقام
الأحنف فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، إن الناس قد
أمسكوا في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف ( 1 ) ، ويزيد ابن أمير
المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره ( 2 ) يا أمير المؤمنين ، فاعرف من
تسند إليه الأمر من بعدك ، ثم اعص أمر من يأمرك ، لا يغررك من يشير عليك ،
ولا ينظر لك ، وأنت أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، مع أن أهل الحجاز
وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا ( 3 ) و ( 4 ) .
ما رد الضحاك بن قيس عليه
قال : فغضب الضحاك بن قيس ، فقام الثانية ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم
قال : أصلح الله أمير المؤمنين . إن أهل النفاق من أهل العراق ، مروءتهم في
أنفسهم الشقاق ، وألفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحق على أهوائهم ، كأنما
ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلا وبطرا ، لا يرقبون من الله راقبة ، ولا يخافون
وبال عاقبة ، اتخذوا إبليس لهم ربا ، واتخذهم إبليس حزبا ، فمن يقاربوه لا
يسروه ، ومن يفارقوه لا يضروه ، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم ،
وكلامهم في صدورهم ، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف
هامش
( 1 ) مؤتنف : مستقبل .
( 2 ) حلب الدهر أشطره . مثل يقال للرجل المجرب الأمور الذي قاسى الشدة والرخاء وتصرف في
الفقر والغنى ( أنظر جمهرة الأمثال 1 / 346 المستقصى 2 / 64 مجمع الأمثال 1 / 195 ) .
( 3 ) قارن كلام الأحنف مع ما ذكره العقد الفريد 4 / 370 ابن الأعثم 4 / 232 ابن الأثير 2 / 511
مروج الذهب 3 / 34 .
( 4 ) يفهم من كلام الأحنف أن ذلك حصل قبل وفاة الحسن بن علي أي قبل سنة 50 والمشهور أن
وفاة الحسن كانت سنة 49 . ( أنظر ما لاحظناه ص 188 حاشية رقم 2 ) .