كتابه العزيز : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) [ الإسراء : 33 ] . قال :
فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان ؟ قال : نعم ( 1 ) . قال عمرو للقوم : اشهدوا .
قال أبو موسى للقوم : اشهدوا على ما يقول عمرو .
ثم قال أبو موسى لعمرو : قم يا عمرو ، فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي
ورأيك ، وما اتفقنا عليه ، فقال عمرو : سبحان الله ! أقوم قبلك ( 2 ) وقد قدمك الله
قبلي في الإيمان والهجرة ، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله ، ووافد رسول
الله إليهم ، وبك هداهم الله ، وعرفهم شرائع دينه ، وسنة نبيه ، وصاحب مغانم
أبي بكر وعمر ! ولكن قم أنت فقل ، ثم أقوم فأقول . فقام أبو موسى ( 3 ) ، فحمد
الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس . إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه ، وإني
لا أهلك ديني بصلاح غيري ، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب ، وإني رأيت وعمرا
أن نخلع عليا ومعاوية ، ونجعلها لعبد الله بن عمر ( 4 ) ، فإنه لم يبسط في هذه
الحرب يدا ولا لسانا ، ثم قام عمرو فقال : أيها الناس ، هذا أبو موسى شيخ
المسلمين ، وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا ، وقد خلع عليا وأنا
أثبت معاوية . فقال أبو موسى : ما لك ؟ عليك لعنة الله ! ما أنت إلا كمثل الكلب
تلهث ! فقال عمرو : لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا ، واختلط الناس ، فقالوا :
والله لو اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه ، وما صلحكما بلازمنا ، وإنا
اليوم على ما كنا عليه أمس ، ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع ، وما أمات
قولكما حقا ، ولا أحيا باطلا . ثم تشاتم أبو موسى وعمرو ، ثم انصرف عمرو إلى
معاوية ، ولحق أبو موسى بمكة ، وانصرف القوم إلى علي ، فقال عدي : أما والله
هامش
( 1 ) في الأخبار الطوال ص 199 : أن أولى منه ابنه عمرو بن عثمان .
( 2 ) كان عمرو بن العاص ومنذ اللقاء الأول بأبي موسى قد قدمه إن في الكلام أو الجلوس وكرمه
كثيرا ، وقد عوده أن يقدمه في كل شئ وقد اغتره بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي ، وكان عمرو قد
حاك خدعته بدقة وأحاط بأبي موسى من كل جانب ، والرجل غافل لا يدري كيف تجري الأمور ،
وما يخطط عمرو وما يرسم في ذهنه حتى أن معاوية نفسه شكك بنية عمرو واسترابه .
( 3 ) عندما قام أبو موسى ليتكلم ، قال له ابن عباس يحذره ، ويحك إني لأظنه قد خدعك إن كنتما
اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تتكلم أنت بعده ، فإن عمرا رجل
غدار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت به في الناس خالفك . فقال
له أبو موسى : إنا قد اتفقنا ( وقعة صفين لابن مزاحم ص 545 - الطبري 5 / 70 ) .
( 4 ) في بعض الروايات : شورى بين المسلمين ( أنظر الحاشية رقم : 2 في الصفحة السابقة ) .