ومحاسبتها وتصفية الظاهر والباطن عما ليس من طور الشريعة وتحليتهما بالفضائل اللايقة بهما
ودوام الذكر والفكر ( وأعرض عن الجاهلين ) المستقرين في الجهل التابعين لإثارة أحكامه إذ
معارضة الجهال جهل وسفه توجب طغيانهم في الجهالة والسفاهة وازديادهم في الأذى والإهانة ،
وهذا أيضاً من آثار الحلم ( يا عيسى ذل لأهل الحسنة ) قال في القرآن المبين لسيد المرسلين :
( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) وهذا من آثار ملكة التواضع .
( وشاركهم فيها كما هو مقتضى القوة العقلية والعملية وكن عليهم شهيداً ) تمنعهم من المهلكات
وتبعثهم على الصالحات وتشهد لهم بها في القيامة ( وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء
والجلساء عليه ) الأخدان جمع الخدن بالكسر وهو الصديق وفي كنز اللغة : أخدان « دوستان »
والسوء بالفتح خصلة مذمومة من قول وفعل وخلق وقد يُطلق على المتصف بها ، وهذان الوصفان
أعني محبة السوء وأهله ومحبة الجلساء عليه لا يجتمعان إلاّ في الجري على الله المستحق
لعقوبته .
( إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير ) وعيدٌ لهم بالعقوبة الحاضرة غير ما مهد لهم من عقوبة
الآخرة وقد وقع مسخ من لم ينته ، على ما نقل في السير .
( يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقاً مني ) الظاهر أن الحكمة بالتحريك : جمع
الحاكم وهو صاحب الحكم والقدر والمنزلة من عند الله تعالى كالحفظة جمع الحافظ ، ويحتمل أن
يكون بكسر الحاء وسكون الكاف على حذف المضاف أي صاحب الحكمة وهي العدل والعلم
والحلم والنبوة ، وفرقاً مفعول له أي تبكي لأجل الخوف مني وخوفهم لمشاهدة العظمة واحتمال
تقصيرهم في الطاعة وانتكاس حالهم في العاقبة أو لغير لذلك ( وأنتم بالضحك تهجرون ) أي
تستهزئون ، والهجر بالضم والسكون : الفحش والقبيح من الكلام ، وهو اسم من « هجر يهجر » من باب
قتل ، وفي لغة أخرى : أهجر في منطقة إهجاراً : أكثر حتى جاوز ما كان تكلم به قبل ذلك ، وأهجر
بالرجل استهزأ به وقال فيه قولاً قبيحاً ورماه بالكلمات التي فيها فحش وفضيحة ، وهذه من باب
لابن وتامر .
( أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون بعقوبتي ؟ ) في كنز اللغة : « براءة : بيزارى از
شيء » يقال : برئ زيد من ذنبه يبرأ - مهموز اللام من باب علم - براءة : إذا سقط عنه طلبه حتى كأنه
لم يحتج إليه فهو بريء منه وبارىء ، والاستفهام للتوبيخ ، وإنما ردد بين هذه الأمور الثلاثة لأن
حالتهم المذكورة توجب أن يكون لهم واحد منها قطعاً . ولكن الواقع لما كان هو الأمر الثالث ( قال :
فبي حلفت لأتركنكم مثلاً للغابرين ) أي للباقين إلى يوم الدين ، والمثل بالتحريك : الحديث ;
وتفسير الغابرين بالماضين والمثل بالشبه والنظير بعيد .
( ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول ) أي المنقطعة عن الرجال أو عن نساء زمانها فضلاً وديناً
وحسباً أو عن الدنيا إليه تعالى أو عن الحيض .
( بسيد المرسلين ) أي رئيسهم وأشرفهم وأكرمهم ( وحبيبي ) بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول ،
وقد بلغت المحبة
شرح أصول الكافي — صفحة 128
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٢٨