سئل عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) أيّ الأعمال أفضل عند الله عزَّ وجلَّ ؟ فقال : ما من عمل بعد معرفة الله جلَّ
وعزَّ ومعرفة رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من بغض الدُّنيا وإنَّ لذلك لشعباً كثيرة وللمعاصي شعباً ، فأوّل ما
عُصي الله به الكبر وهي معصية إبليس حين أبي واستكبر وكان من الكافرين ، والحرص وهي
معصية آدم وحوّاء حين قال الله عزَّ وجلَّ لهما : ( كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشّجرة
فتكونا من الظالمين ) فأخذا مالا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذرّيّتهما إلى يوم القيامة وذلك
أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم مالا حاجة به إليه ، ثمّ الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه
فقتله ، فتشعّب من ذلك حبُّ النساء وحبُّ الدّنيا وحبّ الرِّئاسة وحبُّ الرَّاحة وحبُّ الكلام
وحبُّ العلو والثروة ، فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلّهنّ في حبِّ الدُّنيا ، فقال الأنبياء والعلماء
بعد معرفة ذلك : حبُّ الدُّنيا رأس كلّ خطيئة ، والدُّنيا ديناءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة .
* الشرح
قوله : ( وإن لذلك لشعباً كثيرة وللمعاصي شعباً ) شعب الزهد أضداد شعب المصعية اعني
التواضع وهو ضد الكبر والقنوع وهو ضد الحرص والرضا بما آتاه الله وهو ضد الحسد والمذكورات
من باب التمثيل وإلاّ فجنود العقل كلها شعب الزهد وجنود الجلل كلها شعب المعصية ( والحرص
وهي معصية آدم ) قال الله تعالى ( وعصى آدم ربّه فغوى » قال من نزه الأنبياء عن الذنوب : أن
النهي عن تناول الشجرة نهي تنزيه لا تحريم فيكون التناول ترك أولى وأفضل . وأورد عليهم بأن
اطلاق اسم العاصي على آدم بهذا الاعتبار يوجب أن يوصف الأنبياء ( عليهم السلام ) بأنهم عصاة إذ لا يكاد
انفكاكهم عن ارتكاب مثل هذا المعنى . وأجيب بأن اسم العاصي على آدم بهذا المعنى مجاز
والمجاز لا يقاس عليه ولا يتعدى عن موضعه وعلى تقدير جواز القياس عليه بطلان الثاني ممنوع
إذ لا محذور في أطلاق اسم العاصي عليهم بهذا الاعتبار ( فدخل ذلك ) أي الحرص وأخذ مالا
حاجة به ( وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ) إنما قال أكثر لأن قدر الكفاف لابد منه وتحصيله عبادة
لإحتياج قوام البدن وفعل الطاعات عليه ( فتشعب من ذلك ) أي من ذلك المذكور وهو الكبر
والحرص والحسد وتخصيص الإشارة بالحسد بعيد بحسب المعنى وإن كان قريباً بحسب اللفظ
( فصرن سبع خصال ) أي فصارت شعب المعاصي المذكورة وهي الكبر والحصر الحسد ( كلهن
في حبّ الدنيا ) والظرفية باعتبار الأكثر وإلاّ فحب الدنيا ليس في حب الدنيا ( فقال الأنبياء
والعلماء ) المراد بهم الأوصياء أو الأعم ( بعد معرفة ذلك ) وهو أن المعاصي والخصال الذميمة
كلها في حبُّ الدنيا .
و ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) هذا الكلام على سبيل الحقيقة دون المجاز والمبالغة لأن كل
شرح أصول الكافي — صفحة 386
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٣٨٦