تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
زائلة . والأصل في الثاني الجهل بذهابها وفنائها وبثبات الآخرة وبقائها ، قال الله تعالى في وصف الفريقين : « فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون أنّه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلاّ الصابرون » فانظر كيف نسب الرغبة في الدنيا إلى الجهال والزهد إلى العلماء وذم الأولين غاية الذم وأثنى على الآخرين نهاية الثناء ، وقال لنبيه صلى الله عليه وآله : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) وقال في وصف الكفار : ( والذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ) ويفهم منه وصف المؤمنين وهو أنّهم يستحبون الحياة الآخرة على الحياة الدنيا وقال في وصف المؤمنين ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام » وقد سئله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن معنى هذا الشرح فقال « أن النور إذا دخل القلب إنشرح له الصدر وإنفتح ، فقيل يا رسول الله هل لذلك علامة ؟ قال نعم ( 1 ) دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله » فانظر كيف جعل الزهد وهو ( التجافي عن دار الغرور شرط الإسلام وعلامة نور القلب وإنشراح الصدر .
هامش
1 - قوله « هل لذلك علامة قال نعم » أهل الدنيا لا يهتمون إلاّ بها وهم غافلون عن الآخرة وجميع أفعالهم وحركاتهم وعلومهم وهممهم وكل شيء منهم مصروفة إلى الدنيا فيعتنون بسلامة بدنهم ولذات أجسامهم أكثر من الاعتناء بأخلاقهم وملكاتهم ويختارون من العلوم ما يستفاد منها في الحياة الدنيا كما يتعلق بالطب والزراعة والتجارة والصنائع الدنيوية لا الفقه والأخلاق والاعتقادات في المبدء والمعاد والسعيد عندهم من تهيأ له وسائل العيش لامن تخلق بالأخلاق الفاضلة ومن حصل على جاه عريض وشهرة فائقة أشرف عندهم من الخامل المستريح من الناس المأمونين من أذاه والرجل الخير من سهل للناس وسائل عيشهم الدنيوي كمخترعي الصنائع وعلامة أهل الآخرة كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « التجافي عن الدار الغرور » والتباعد عما يهتم أهل الدنيا به ولمّا كان الحس من النعم الّتي أعطاها الله الإنسان لمصلحة دنياه وهو متعلق بجوارحه البدنية كان أهم عند هؤلاء من العقل مع أن الحواس كلها وما يتعلق بها من دار الغرور ، أما الحواس الظاهرة فمعلوم أنّها قوي في جسم تتفرق وتتلاشي وأما الحواس الباطنة فمنها الحس المشترك وهو تابع للحواس الظاهرة ، وأما الواهمة فهي قوة تحصل بها للحيوان مصاديق معادن غير محسوسة بالحواس الظاهرة فيحب أولاده ويتنفر من عدوه ، ومثل ذلك من حالات تعرض في بدن الحيوان الذي له عصب ودماغ ، وأما الحافظة فإعتياد حاصل للأعصاب بكثرة الممارسة كاعتياد اللسان قراءة قصيدة . أو آية حفظها إذا شرع فيها جرى على لسانه إلى آخرها وكإعتياد الكتابة فإنّها ملكة في أعصاب اليد تحصل بالتمرين فيكتب الخط الحسن بأنواعه وكذلك تحصل مثل هذا الاعتياد في الدماغ فيجدد صورة سبقت له مرة أو مرات وهو معنى التذكر . والمتخلية كذلك جسمانية إذا يعرض لها بكثرة استعمالها لها الكلال وليس عروض الكلال إلا للجسم وإنّما يبقى العق لعدم تعلقه بجسم وهو متجاف عن دار الغرور مع كل ما يتفرع عليه . ( ش )