ومنه السفه والأذى والمعاجلة في العقوبة والحلم صفة توجب العزة فيهما أما في الآخرة فظاهر
لأنّه من جلايل الصفات الموجبة لرفع الدرجات ، وأما في الدنيا فظاهر أيضاً لأن الحليم عزيز عند
الخلايق كلهم ولذلك قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) « الحلم عشيرة » ( 1 )
بالعشيرة يتمتع بالحلم ويتوقر لأجله .
* الأصل
6 - عنه ، عن بعض أصحابه ، رفعه قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : كفى بالحلم ناصراً ، وقال : إذا لم تكن
حليماً فتحلّم .
* الشرح
قوله : ( كفى بالحلم ناصراً ) المراد أن الحلم ناصر كاف للحليم لأنَّ الناس يحبونه ويميلون إليه
ويعينونه في المكاره وقال ( إذا لم تكن حليماً فتحلم ) ( 2 )
هامش
1 - قوله « الحلم عشيرة » يرى الجهلاء أن الحلم من الضعف والرجل القوى الغيور لا يتحمل إيذاء الناس
وقبول الظلم أفحش من الظلم وربما يتمسك بقول الله تعالى « من إعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما إعتدى
عليكم » وقال تعالى « ولكم في القصاص حيوة يا أولى الألباب » وقال تعالى « ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا
لوليه سلطاناً » وأيضاً السكوت على الظلم والرضا به يوجب تجرى الظالم فإذا علم
إنَّ الناس مأمورون بالسكوت زادوا في الظلم والجواب إنَّ للحلم مقاماً ولطلب الحقوق مقاماً آخر والقدر
المسلم إن الإنسان لا يجوز أن ينقاد لعواطفه المترتبة على شهوته وغضبه بحيث يسلب عنه الاختيار ويجري
على ما يقتضيه قوته الواهمة با يجب أن يكون مالكاً لنفسه ولا يكون قصاصه وإنتقامه وقيامه على من إعتدى
عليه إلاّ بمقتضى عقلية لارضاء عواطفه ومتابعة هواه وشهواته فإنّه بهذا يمتاز عن الحيوان وتربية الحلم هي
من وظائف الإنسان لا تربية الهوى فإن الحلم هو الذي يبقى له في الآخرة وهو مقتضى العقل والعقل يبقى
بجميع ما يقضيه . ( ش )
2 - قوله « إذا لم يكن حليماً فتحلم » إستدل جماعة من الفلاسفة بوجود الاختيار للإنسان على تجرده ذاتاً
وبقائه بعد الموت قالوا كل حالة جسمانية لابد أن تحصل جبراً قسرا ولا يستطيع أحد أن يمتنع عنها ويدفعها
عن نفسه بل هي أثر حاصل بتأثير مؤثر خارجي أو داخلي في بعض الأعضاء ونحن مجبورون مقهورون في
قبوله كالرؤية بالعين فإنّها بتأثير النور في الجليدية ولا نستطيع أن لا نرى مع هذا التأثير أيضاً ونعض الأبصار
ونطبق إلاّ جفان قهراً عند تحريك أحد إصبعه إليها ويحصل المحبة والخوف عند حصول أسبابها لدنيا قهراً
ويضطرب القلب عند الحزن ويجري الدمع ويعرضنا العطاس عند البرد مطلقاً وكان جميع حالاتها وعوارضها
ناشئة من مزاجات في البدن وتأثيرات خاصة لخصوص مواد وتراكيب في خلاياها وذراتها لزم كون جميعها
قهرية ولا يكون للنفس إختيار في أي أمر من أمورها ولكن ليس كذلك فإن معارضة الحلم مثلا للغضب
واختيار الإنسان أن يكظم غيظه وقدرته على ذلك تدل على وجود مبدء مستقل له غير متوقف على آلية البدن
ولا يجوز أن يغتر بما يتوقف على الآلة كالسمع والبصر وغيرهما من القوى الجسمانية فإن لنا حالات غير
متوقفة على الآلات كادراك الكلي والاختيار . ( ش )