تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
العالم الحكيم يعلم أن فيضه تعالى ( 1 ) غير معقول علم أن ذلك لتقصير في عمله ونقص نفسه ثم عدم تأثير عبادته مدة أربعين سنة في صفاء قلبه مع ما روى أن من عبد الله أربعين يوماً خالصاً لوجه الله ينفجر في قلبه ينابيع الحكمة إنّما هو لفساد في عمله مثل الرياء والحسد أو الفجر والعجب أو غيرها ، ومنه يعلم أن العمل بدون تصفية القلب غير مقبول ( 2 ) بلوغه حد الكمال من أن يطهر نفسه من الفساد وينزه ظاهره وباطنه عن العلائق ويوجه قلبه إلى الله ويتفكر في معاني الكلمات التي يناجيه بها وأسرار الآيات التي يتلوها ويعترف بالعجز والتقصير . فإنه إذا كان كذلك في جميع الأوقات أو في أكثرها بلغ قبول الحق وأدرك وصاله حتى تصير إرادته كارادته لا يتخلف عنها المراد ، والله ولى التوفيق . ( فأوحى الله تبارك وتعالى إليه ) ظاهره بلوغ
هامش
1 - قوله « قوله لأن العالم الحكيم يعلم أن فيضه » مذهب الحكماء أن وجود الممكن عن مبدئه أما أن يتوقف على استعداد مادة لقبوله كوجود أشخاص الحيوان والنبات وحينئذ لا يوجد إلاّ بعد حصول ذلك الاستعداد ، ولا يتأخر عن الاستعداد البتة . فإذا صار البذر مستعدا لأن يوجد في الصورة النباتية وجد من غير بطؤ وريث لأن فيضه تعالى عام لا يتأخر عن قابلية المستفيض البتة ، وإن لم يكون وجود الممكن متوقفاً على الاستعداد . بل كان وجوده ممكناً دائماً لم يتأخر وجوده الا عن مشية الله تعالى لأن فيضه عام لكل قابل كنور الشمس فإنه يضيء كل شيء يمر في مقابله ، ولا يتوقف إضاءته الا على المقابلة ، وعليهذا فإذا عمل المؤمن عملا مؤثراً في تهذيب نفسه وحصول ملكة صالحة في قلبه من غير مانع ومفسد كالعجب والرياء فلا معنى لعدم قبوله كما لا يحتمل عدم تأثير الماء في نمو النباتات وعدم تأثير الغذاء في شبع الحيوان . ( ش ) 2 - قوله « بدون تصفيه القلب غير مقبول » ويدل عليه أيضاً قوله تعالى « يوم لا ينفع ما ولا بنون الامن أتى الله بقلب سليم » ويؤيد هذا الكلام ما ذكرناه سابقاً من أن العمل سبب بالواسطة للسعادة الأخروية لا بالمباشرة . وإن السبب المباشر القريب هو الملكة الصالحة الراسخة ، وإنّما أمر بهذه الأعمال الظاهرة لتحصيل تلك الملكة والغرض الأصلي فيها تحصيل السعادة في الآخرة ومن زعم أن حكمة أنزال الكتب وإرسال الرسل وتشريع الشرائع حفظ نظم هذا العالم وحسن سياسة العباد فهو بمعزل عن الحق قاصر النظر على الماديات « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون » . وقال تعالى « ونفس وما سويها فألهمها فجورها وتقويها قد أفلح من زكيها وقد خاف من دسيها » فبين أن فلاح نفس الإنسان بالتزكية واستدل عليها بأن نفسه مجردة موجودة بأمر الله تعالى ويعرف الفجور والتقوى بإلهامه تعالى وكل شيء كان له صفة من الصفات أيا ما كانت فإنما جعلت فيه لغاية يتوخاها البتة بتلك الصفة وليس إدراك الحسن والقبح وإستبشاع المنكرات وتحسين المعروفات بالهام خالقه عبثا في وجود الإنسان ، بل لا بد من أن يكون لغاية هي تزكية نفس كما أن وجود رغبة أو رهبة في كل موجود إنّما هو لأن ما يرغب فيه غايته ومكمل لوجوده كرغبة الشجر إلى نور الشمس وجعل إدراك الفجور والتقوى في طبيعة النفس لأن فلاحها بتزكيتها وذكرنا شيئاً يتعلق بذلك في المجلد الرابع ص 285 . ( ش )