عنه ( عليه السلام ) إلى المتوكل فبعث المتوكل لعنة الله عليه يحيى بن هرثمة بن أعين مع جنود يشخصه إلى
سر من رأى فأشخصه .
قوله ( إذ كان على ما ذكرت ) الظاهر أنه ( عليه السلام ) كتب إليه اعتذاراً مما نسبه إليه وجفا عليه .
قوله ( وعندما قرفك به ) أي عابك واتهمك به يقال : قرف فلان فلاناً إذا عابه واتهمه وهو
مقروف .
قوله ( من الأمور التي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه ) كتب عبد الله بن محمد أموراً من
جملتها أنه يدعي الإمامة ويجلب إليه الأموال .
قوله ( أثرة ) الأثرة ( 1 ) بفتح الهمزة والثاء الاسم من أثر يؤثر إيثاراً إذا أعطى ، أراد أنه يؤثرك
ويتفضل عليك على ما لا يؤثر ولا يتفضل على غيرك من إخوته وأولاده وأهل بيته وأصحابه
وصاحب سره .
* الأصل :
8 - الحسينُ بن الحسن الحسني قال : حدّثني أبو الطيّب المثنّى يعقوب بن ياسر ( 2 ) قال : كان
هامش
1 - قوله « أثرة » كانت الخلفاء من بني العباس يحفظون في دار الخلافة عشيرتهم الأقربين ويمنحونهم بغيتهم
ويسهلون لهم مصالحهم في أنعم ما يكون بشرط أن لا يخرجوا منها وكلما تقدمت الدولة اشتد الأمر في
التضييق حتى كانت دار الخلافة في أواخر دولتهم تشمل ربع بغداد مساحة مع سعة البلد جداً . وكان المتصدي
لحفظ دار الخلافة من أعلى أرباب المناصب ويسمى الرجل المنصوب لذلك قهرماناً والامرأة المنصوبة
للحرم وحماية النساء والجواري قهرمانة ، وكان الإمام ( عليه السلام ) مدة إقامته في العسكر مع الأسرة الحاكمة في
دار الخلافة وهذه الرسالة من أفصح ما يكون وأحسن وكاتبه إبراهيم بن العباس المعروف بالصولى من
مشاهير الكتّاب . وقال ابن خلكان : كان أحد الشعراء المجيدين وله ديوان شعر كله نخب ، قال : وله نثر بديع ثم
ذكر آباءه وأول من أسلم منهم - إلى أن قال - : اتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل ثم
تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من
شعبان سنة 243 . انتهى ، وكتابه الموسوم بأدب الكتاب مشهور مطبوع . ( ش ) .
2 - قوله « يعقوب بن ياسر » كأنه من عمال الحكومة نقل عنه الكليني قدس سره لأنَّ قوله حجة في أمثال
هذه الوقايع بالنسبة إلى تنزيه الإمام ( عليه السلام ) وإن لم تكن حجة بالنسبة إلى تنقيص موسى المبرقع وأما المتوكل
فكان خليعاً سكيراً ، أكثر المؤخورن من ذكر لهوه وخلاعته وفساده وذكر بعضهم أنه قتل وهو سكران لا
يستطيع أن يقوم من سكره فوضعوا فيه السيف فقطعوه والخمر تدب في عروته ، ويثني عليه النواصب بأنه
محى البدع وأقام السنة وقال بعضهم : إنه تالي عمر بن عبد العزيز في إقامة الدين ، قال المسعودي في مروج
الذهب : لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدل والترك لما عليه الناس في أيام
المعتصم والواثق والمأمون ، وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة
والجماعة . انتهى .
وقال اليعقوبي : ونهى المتوكل عن الكلام في القرآن وأطلق من كان في السجون من أهل البلدان ومن أخذ في
خلافة الواثق فخلاهم جميعاً وكساهم جميعاً وكتب إلى الآفاق كتباً ينهى عن المناظرة والجدل وأمسك
الناس انتهى ، أقول : وأكثر المجددين من علماء مصر وغيرها من البلاد اعترفوا بأن أعظم جناية وقعت على
الإسلام منع الناس عن النظر والاجتهاد والجمود على ما أثر من السلف ، وكان أعظم مسألة في تلك الأزمان
مسألة القرآن ، وأنه حادث أو قديم ، وبعده التكلم في الصفات ، وكان رأي العوام ورؤسائهم فيها خرافياً صرفاً
يلتزمون بأمور غير معقولة مثل أن هذا المصحف المكتوب بأيدي الكتاب المدون بين الدفتين الذي صنعه
الوراقون قديم بقدم الله تعالى وأن القول بحدوثه تنقيص له ، وبعض من تدبر منهم ورآه دليلاً على سفاهة
قائله ذهب إلى أن كلامه تعالى الذي صدر منه قديم لا هذا المكتوب المدون وهو أيضاً غير معقول لأنَّ الكلام
حروف مرتبة يتبع بعضها بعضاً ولا يتعقل كونها قديمة لأنه يوجب عدم الترتب في الحروف ولذلك التزم
العقلاء بكون القرآن مخلوقاً بأي معنى فرض وهو غير العلم وأن هذا لا يوجب توهيناً له وتنقيصاً كما أن
النبي ( عليه السلام ) وهو أفضل من القرآن مخلوق ولا يوجب نسبة ذلك إليه توهيناً وكان المأمون وبعده المعتصم
والواثق قائلين بخلق القرآن دفعوا الحجر عن القول به وربما امتحنوا المشاغبين والغوغاء من العامة ونهو
القضاة عن قبول الشهادة إلا من أهل التوحيد والعدل .
قال المسعودي : في سنة 219 ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطاً ليقول بخلق القرآن ، وزاد
اليعقوبي احتجاج إسحق بن إبراهيم عليه إلى أن قال أحمد : فإني أقول بقول أمير المؤمنين ، قال في خلق
القرآن ؟ قال في خلق القرآن ، قال فاشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله انتهى . أقول : فاستعمل أحمد التقية
أو قال بخلق القرآن خلافاً لما عليه الجماعة . وقال اليقعوبي أيضاً : صار المأمون إلى دمشق سنة 218 وامتحن
الناس في العدل والتوحيد على ما سبق وقال : وامتحن الواثق الناس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن
يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلاّ شهادة من قال بالتوحيد فحبس بهذا السبب عالماً كثيراً انتهى .
فتبين من ذلك أن مرادهم وصف المتوكل بمحو البدعة وإقامة السنّة ليس ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره بل
منعه من البحث والنظر وإبقاء خطأ من أخطأ من السلف على هو عليه وإن خالف السنة والكتاب أيضاً
فاختاروا لفظاً حسناً لمعنى قبيح وقال يحيى بن أكثم على ما في تاريخ بغداد : القرآن كلام الله فمن قال مخلوق
يستتاب فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه انتهى . وهذا منتهى عقلهم وعلمهم ولم نر بعد البحث الشديد حديثاً عن
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر بقتل من قال بخلق القرآن فكيف يكون القائل به سنياً ولكنهم بنوا السنية على أربع أصول :
الأول إنكار الحسن والقبح ، والثاني الجبر ، الثالث عدم خلق القرآن ، الرابع رؤية الله تعالى مع عدم كونه جسماً
ومتحيزاً .
والسني عندنا من التزم باتباع سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأما الأصول الأربعة فيخالف السنة والكتاب والعقل ولا
ينبغي إلاّ لمثل المتوكل أن يكون مؤسساً لها ويتنزه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكل نبي بل كل عاقل أن تكون تلك
الخرافات سنة له يجبر الناس على قبولها فإن أبى ضربت عنقه ولم يكن بناء أبي بكر وعمر أيضاً على ذلك
على ما يستفاد من سيرتهما والله العالم . ( ش ) .