إلى حافظ ( ولئن زالتا إن أمسكهما ) أي ما أمسكهما ( من أحد من بعده ) أي من بعد الله أو من
بعد الزوال . « من » الأولى زائدة للمبالغة في الاستغراق والثانية للابتداء ( إنه كان حليماً ) لا يعاجل
بالعقوبة على الغفلة والعصيان وسوء الأدب والجهالة ( غفوراً ) يغفر لمن يشاء ، والآية دلت على أنه
أمسكهما مع كونهما جديرين ، نظراً إلى ذواتهما الباطلة غير الثابتة ومع عصيان العباد ، بأن تزولا
وتهدّا هداً كما قال : ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ) ولذلك ذكر هذين الوصفين أعني
الحلم والغفران
( قال : فأخبرني عن قوله : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) فكيف قال ذاك وقلت : إنه
يحمل العرش والسماوات والأرض ) مراده أن ما قلت مناف لما دلت عليه هذه الآية من وجهين
أحدهما أن حملة العرش ثمانية لا هو ، وقلت : هو حامله . وثانيهما أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد
حملوه أيضاً لأنه على العرش ، وقلت : إنه حامل جميع ما سواه ( فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن العرش
خلقه الله تعالى من أنوار أربعة نور أحمر منه احمرت الحمرة ونور أخضر منه اخضرت الخضرة
ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونور أبيض منه ابيضّ البياض وهو ) أي العرش ( العلم ( 1 ) الذي حمله
الله الحملة ) الحملة بالتحريك جمع الحامل وحملته شيئاً تحميلاً إذا كفلته حمله وكلفته بحمله .
هامش
1 - قوله : « وهو أي العرش العلم » ولا ينافي إطلاق العرش على موجود جسماني عظيم يسمى بمحدود الجهات
راجع الصفحة 240 من المجلد الثالث .
إن قيل : لم يأت في لغة العرب العرش بمعنى العلم لا حقيقة ولا مجازاً ، فلا يقال : لا عرض لي بالنحو أي لا علم لي به
مثلاً .
قلنا : المراد بيان المصداق لا تفسير المفهوم ، ومعنى العرش في لغة العرب حقيقة هو السرير ، ومجازاً القهر
والاستيلاء ; لأن عرش الملك مساوق لاستيلائه . ولما كان إيجاد الخلق وإبقاؤه من الله تعالى لعلمه العنائي صح
أن يقال : عرشه علمه مصداقاً فإنه سبب إيجاده واستيلائه وقهره ، وقد فتح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) باب التأويل على
العقول وهو ( عليه السلام ) أصل كل خير وأساس كل علم ، وفائدة التأويل رفع الاستبعاد والاستنكار ، إذ ربما ورد في كلام
الله والرسول ( صلى الله عليه وآله ) مجازات واستعارات لتقريب المعقول إلى المحسوس كما في كلام سائر الناس فيقال : ذلك
الشعر لطيف رقيق وذلك كلام عذب وهذا لفظ مليح ، وأهل الظاهر لا يرضون بحمل كلام الشارع على المعنى
المجازى ويقولون : فتح باب التأويل يهدم أساس الشريعة ويوجب الشك في أصول العقائد ، والعلماء يرون
التأويل واجباً في مورده ; لأن الجمود على الظواهر يهدم أساس الدين أيضاً ; لأن العقلاء إذا رأوا ظاهر الحديث
أو القرآن لا يوافق ما تحقق لديهم ولم يجز تأويل ظاهره شكوا في صدق الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أو أنكروا ، مثلاً علموا
بعقولهم يقيناً أن الله تعالى ليس بجسم ولا يحتاج إلى مكان وليس له يد وعين ووجه ولو لم يجوز لهم تأويل تلك
الألفاظ نسبوا المسلمين ورؤسائهم إلى الجهل ، ولذلك فتح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) باب التأويل ولكن التأويل شيء
يختص به الراسخون في العلم وليس لكل أحد أن يؤول كل شيء بهواه كما فعله الباطنية بل لكل شيء حد
وقاعدة ومورد ومصدر يعرفه أهله . ( ش )