عن مكاننا وقيامنا فيه على سوق ( أو قعود ) في مكان مثل قعودنا في أمكنتنا ( فإن الله جل وعزّ عن
صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهّم المتوهمين ) لتعليه عن مدارك الوهم والحواس وتباعده من
منازل العقل والقياس فلا يجوز للوهم تعيين صفة من صفاته ولا للعقل تحديد شرح حقيقة ذاته ،
والصفة مصدر تقول : وصفت الشيء أصفه وصفاً وصفة ، والهاء عوض من الواو . والنعت مصدر
بمعنى الصفة تقول : نعت الشيء إذا وصفته ، فالعطف للتفسير والتأكيد ، ويحتمل تخصيص الصفة
بصفة الذات وتخصيص النعت بصفة الفعل .
( وتوكل على العزيز الرحيم ) أي توكل في الحذر عما لا ينبغي له أو في جميع الأمور على من
يغلب الأشياء ويقهر الأعداء ويرحم الأولياء وينصر الأحباء
( الذي يراك حين تقوم ) إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الأمور كلها ، وفيه نوع من التحذير عما
لا يليق به .
( وتقلبك في الساجدين ) أي ترددك وحركاتك فيما بين المصلين بالقيام والقعود والركوع
والسجود . وفي اقتباس الآية إشارة ( 1 ) إلى أن الهداية لا تنال إلاّ بالتوكل عليه والتمسك به والرجوع
إليه وإلى الداعي إلى التوكل ، وهو أنه عالم بجميع الأحوال ، وقادر على جميع الأشياء ، وناصر
للأولياء ، وإلى غاية التوكل عليه في المعرفة والهداية وهي القيام بطاعته والجد في عبادته .
* الأصل :
2 - وعنه ، رفعه عن الحسن بن راشد ، عن يعقوب بن جعفر ، عن أبي إبراهيم ( عليه السلام ) أنه قال : لا أقول :
إنه قائم فأزيله عن مكانه ولا أحده بمكان يكون فيه ولا أحده أن يتحرك في شيء من الأركان
والجوارح ، ولا أحده بلفظ شق فم ولكن كما قال ( الله ) تبارك وتعالى : ( كن فيكون ) بمشيئته من
غير تردد في نفس ، صمداً فرداً ، لم يحتج إلى شريك يذكر له ملكه ، ولا يفتح له أبواب علمه .
* الشرح :
هامش
1 - قوله : « في اقتباس الآية إشارة » بل استدلال بها على نقض القول المزور وردّ توهم من يزعم أنه ينزل إلى
السماء الدنيا ; لأن يسمع دعاء الناس من قريب ، بأنه تعالى يسمع في جميع الأوقات ويرى العباد والساجدين
والقائمين ، ويكفي المتوكلين عليه في كل آن ، فلا حاجة إلى أن ينزل ولا وجه للاعتقاد به ، فإن قيل : لعله ينزل
لغير غرض الاستماع . قلنا : هذا احتمال غير متبادر ، بل تخرج وتحرج يعلم كل أحد أن القائل بالنزول لم يقل به
إلا لأصل الاستماع أو لكماله ثم لو لم يكن ( تعالى على عرشه ) عالماً بأحوال العباد كيف أمر بالتوكل عليه في
قوله : ( وتوكل على العزيز الرحيم ) وشرط المتوكَّل عليه أن يكون عزيزاً قادراً غالباً على كل شيء ورحيماً
بالمتوكل ، وهذا يتوقف على أن يكون العرش والسماء الدنيا وقعر البحار متساوية لديه في العلم والقدرة . ( ش )