الرجل : ظهرت على أعدائي وأظهرني الله على خصمي ، يخبر عن الفلج والغلبة ، فهكذا ظهور الله
على الأشياء ، ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شيء وأنه مدبر لكل ما برأ ، فأي
ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى ، لأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما
يغنيك ، والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده ، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى ، وأما
الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء
علماً وحفظاً وتدبيراً ، كقول القائل : أبطنته يعني خبرته وعلمت مكتوم سره ، والباطن منا الغايب
في الشيء المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى ، وأما القاهر فليس على معنى علاج
ونصب واحتيال ومداراة ومكر ، كما يقهر العباد بعضهم بعضاً ، والمقهور منهم يعود قاهراً والقاهر
يعود مقهوراً ، ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله وقلة
الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون ، والقاهر منا على ما ذكرت
ووصفت ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى ، وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نستجمعها كلها
فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا إليك . والله عونك وعوننا في إرشادنا وتوفيقنا .
* الشرح :
( علي بن محمد مرسلاً ، عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ) هذا الحديث رواه الصدوق في كتاب عيون
أخبار الرضا ( عليه السلام ) وفي كتاب التوحيد من طريق المصنف مسنداً قال : حدثنا علي ابن أحمد بن محمد
بن عمران الدقاق ( رضي الله عنه ) قال : حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال : حدثنا علي بن محمد المعروف
بعلان ، عن محمد بن عيسى عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام )
( قال : قال : اعلم علمك الله الخير ) الخير مفهوم عام شامل لجميع القوانين الشرعية وجزئياتها
سواء كانت متعلقة بنظام الدين أو بنظام الدنيا ، وهذا الخطاب عام شامل للموجود والمعدوم ومن هو
في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات
( إن الله تعالى قديم ) وجوده ذاتي ( 1 ) مستند إلى ذاته غير مسبوق بالعدم ولا معروض له ( والقدم
هامش
1 - قوله : « وجوده ذاتي » كذا فسر القديم المجلسي ( رحمه الله ) ورفيعا النائيني ( رحمه الله ) لأن الذي وجوده عرضي حاصل له من غيره لابد أن
يكون مخلوقاً كما مرّ في محله ، وأما الشارح القزويني - رحمه الله - فقال : المراد بالله هنا فاعل الأجسام سواء كان واجب
الوجود لذاته أم لا ، سواء كان بسيطاً أو مركباً من عدة بسائط مجردة ، وهو عجيب إذ لم يعهد إطلاق كلمة الله على غير واجب
الوجود بالذات ولا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ; لأن المجاز أيضاً يتوقف على تجويز اللغة ولا يجوز في لغة العرب إطلاق الله
مجازاً على غيره تعالى حتى عند المشركين ، والحامل له على ذلك أنه زعم أن صدر الحديث تقرير مذهب باطل يريد
الإمام ( عليه السلام ) نقضه وهو مذهب الفلاسفة والأشاعرة حيث زعموا أن غير الله تعالى أيضاً قديم ، أي العقول أو الصفات الثمان التي
سموها القدماء الثمانية ، وهذا أيضاً عجيب ; لأن الإمام ( عليه السلام ) قال : « أعلم علمك الله الخير أن الله قديم » ولو كان هذا تقرير
مذهب باطل لم يقل ( عليه السلام ) أعلم علمك الله الخير ; فإنه لا يأمر بتصديق شيء باطل . ( ش )