واستيصالهم
( فقال : إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا ) ; لأن الأسف من تغير المزاج وثوران القوة الغضبية وانفعال
النفس عن المكاره الواردة عليها وكل ذلك على الله محال ( ولكنه خلق أولياء لنفسه ) يحبهم
ويحبونه ويذكرونه في جميع الحالات ولا يغفلون عنه في وقت من الأوقات ( يأسفون ويرضون )
أي يغضبون على من خالف حبيبهم ويحزنون به أشد الحزن ويرضون عمن أطاعه ويتبع مرضاته
( وهم مخلوقون مربوبون ) خلقهم الله على أحسن الصور والهيئات ورباهم إلى ما قدر لهم من
الحالات والكمالات ( فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ) لكمال القرب والاتصال
بينه وبينهم حتى يظن الجهلة والغلاة أنهم هو ، وليس كذلك لوجوب المغايرة بين الخالق
والمخلوق والرب والمربوب .
( لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه ) يدعون عباد الله بعد خوضهم في بحار الفتن والآفات
وتوغلهم فيما اكتسبوه من الآثام والسيئات إلى الإقرار بوجوده ووحدانيته في الإلهية وتفرده في
الربوبية وتوحده باستحقاق الطاعة والعبادة ، ويدلونهم على ذلك بالحجج البالغة والدلائل القاطعة
والبراهين الواضحة ( فلذلك صاروا كذلك ) أي فلذلك المذكور من كونهم أولياء الله والدعاة إليه
والأدلاء عليه صاروا بحيث يكون رضاهم رضاه وسخطهم سخطه حتى نسب سبحانه أسفهم
بقوله ( فلما آسفونا ) إلى ذاته المقدسة عن الاتصاف به .
( وليس أن ذلك ) أي ليس المقصود أن الأسف ( يصل إلى الله تعالى كما يصل إلى خلقه ) ; لأن
ذلك محال كما ستعرفه
( لكن هذا ) أي نسبة أسف الأولياء إلى نفسه في هذه الآية .
( معنى ما قال من ذلك ) القبيل .
( وقد قال : من أهان لي ولياً ) أي من استحقر ولياً لي واستخف به وأذله ( فقد بارزني بالمحاربة
ودعاني إليها ) مبارزة الرجل ظهوره من الصف طلباً للمقاتل ، فقد نسب سبحانه المحاربة التي من
شأنها أن تكون وصفاً للولي لتعلق الإهانة به إلى نفسه المقدسة تعظيماً لوليه وتوقيراً له حتى كان
محاربته محاربة ذاته المقدسة ( وقال : ( ومن يطع الرسول فقط أطاع الله ) وقال : ( إن الذين
يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) ) جعل الله سبحانه إطاعة الرسول وبيعته ويده إطاعة
الله وبيعته ويده
( فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك ) من أنه تعالى جعل ما للأولياء وعليهم لذاته المقدسة
وعليها . وهذا شايع بين المحب والمحبوب إذا كانت المحبة في غاية الكمال .
شرح أصول الكافي — صفحة 226
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٢٢٦