وقيل : السبب لذلك هو أنّ الآية دلّت على أنّ الله تعالى هو المباشر المتولّي لتوفّي العلماء وقبض
أرواحهم إليه وأشرف العلماء هم الأئمّة المعصومون ( عليهم السلام ) فلذلك سخوا بنفوسهم ورضوا بسرعة
موتهم حبّاً لذلك وشوقاً إليه ، وفيه نظر لأنّ الإتيان عليه سبحانه محال ، فالمراد إتيان الملائكة
الموكّلين بقبض الأرواح بأمره وإنّما نسب الفعل إلى الآمر مجازاً كما هو الشائع .
هذا ، وقال الواحدي وتبعه القاضي وغيره : المراد بالأرض أرض الكفرة ، والمراد بنقصها من
أطرافها فتحها على المسلمين منها لأنّهم استولوا على أطراف مكّة وغيرها وأخذوها من الكفرة
قهراً أو جبراً ( 1 ) ، وقال الرازي : يليق أيضاً أن يكون معناه أوَلم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلاف
خراب بعد عمارة وموت بعد حياة وذلّ بعد عزّ ونقص بعد كمال ، وإذا كانت هذه التغييرات
محسوسة مشاهدة فما الذي يؤمّن الكفرة أن يقلّب الله الحال عليهم بأن يجعلهم ذليلين بعد أن كانوا
عزيزين ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين ؟ وقال بعض المفسّرين : ننقصها من أطرافها بموت أهلها
وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أنّ يحدث أمثال هذه الوقائع فيهم ؟
هامش
1 - هذا هو الظاهر من الآية ، والغرض منها دعوة الكفّار إلى ترك اللجاج والعناد والتعصب بأنّ البلاد
دخلت تدريجاً في حيطة الإسلام وذكر موت العلماء ونقص العلم يناقض هذا الغرض ، فإن قيل : كيف
حكمت أوّلاً بأنّ تفسير جابر لا يخالف أمراً معلوماً مع أنّه يخالف ظاهر الآية ؟
قلنا : ما حكمنا بأنّ تفسيره لا يخالف أمراً معلوماً بل قلنا : الاستدلال به على موت العلماء لا يخالفه ; لأنّ
الآية وإن لم تكن مسوقة لبيان ذلك ولكنّ الشيء بالشيء يذكر مثل أن يستدلّ بقوله : ( ونريد أن نمنّ
على الذين استضعفوا في الأرض ) الوارد في بني إسرائيل على نجاة أهل الحقّ في آخر الزمان . ( ش )