فهم التفاضل فيما دون ذلك بالقياس إلى النسبة المذكورة ، وفي اعتبار فضل نور القمر على جميع
النجوم كما يفيد إضافة الجميع إلى الجمع المحلّى باللام دلالة ما على أنّ المراد في جانب المشبّه فضل
العالم على جميع العابدين .
ويؤيّده أنّ العابد المحلّى باللام يفيد العموم كما ذهب إليه جمع من المحقّقين ، ومع ملاحظة المقايسة
يفهم أنّ المراد بالعابد المجموع على أنّا لو أردنا منه كلّ واحد يحصل المقصود هو زيادة فضل العالم
على مجموع العابدين بالنسبة المذكورة بالأولوية ; لأنّه إذا فضّل العالم على كلّ واحد من أفراد العابد
بتلك النسبة فقد فضّل على المجموع بالطريق الأولى ، وقد دلّ عليه قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « ولا بلغ جميع
العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل ، والعقلاء هم اُولو الألباب » ( 1 ) .
ثمّ كون العبادة نوراً وفيها فضل إنّما هو باعتبار أنّها مستندة إلى شائبة علم ولو بالتقليد
عن العالم بواسطة أو بغيرها ، وإلاّ فهي بدون ذلك ظلمة وتعب بلا نفع ; إذ لا عبرة بعبادة صدرت
بمجرّد الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة ، وفي هذا التشبيه فوائد اُخر غير الفوائد المذكورة ، وهي
التنبيه على أنّ العلم نور يهتدى به إلى المقصود في ظلمات الطبيعة ، كما أنّ بنور القمر يهتدي المسافر
إلى الطريق المقصود ، وعلى أنّ ذلك النور يتفاوت بحسب تفاوت القرب والبعد من نور الحقّ ، كما أنّ
نور القمر يتفاوت بحسب تفاوت قربه وبعده من الشمس ( 2 ) ، وبذلك التفاوت يتفاوت نورهم في
القيمة ، فمنهم من نوره بحيث لا يعرف قدره إلاّ الله سبحانه ، ومنهم من نوره إلى مدّ بصره ، ومنهم من
نوره دون ذلك ، وبحسب هذا التفاوت يتفاوت مرورهم على الصراط سرعةً وبُطئاً ، فمنهم من يمرّه
كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمرّه كالطيران ، ومنهم من يمرّه كعدو الفرس الجواد ، إلى غير ذلك
من مراتب الشدّة والضعف ، وعلى أنّ العالم بعد بلوغه حدّ الكمال لا بدّ أن يعود إلى نور الحقّ
هامش
1 - تقدّم في كتاب العقل والجهل .
2 - التشبّه في أصل التفاوت لا في كيفيّة القمر ، كلّما قرب من الشمس ضعف نوره ، وكلّما بعد عنها قوى ،
ففي حال الاجتماع مع الشمس ينمحي نوره والبدر عندما يكون بينهما نصف دور الفلك ، وأمّا العقل
فكلّما قرب إلى الله تعالى ازداد نوره وقوي . ( ش )