وجعلها إيّاها ; إذ الذاتي للشيء لا يعلّل ( 1 ) .
( كحدّ الدار ، فما كان من الطريق فهو من الطريق ، وما كان من الدار فهو من الدار ) تشبيه معقول
بمحسوس لزيادة الايضاح والتقرير ، يعني أنّ الله سبحانه بنى لعباده مدينة الشرع ، وبيّن حدودها
وعيّن طريقها وليس لأحد تغيير تلك الحدود والدخول فيها من غير هذا الطريق ، وفيه إيماء إلى
قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » ( 2 ) ، كما أنّ صاحب الدار بيّن حدودها وعيّن طريقها وليس
لأحد غيره تغيير تلك الحدود والدخول فيها من غير طريقها كما قال عزّ شأنه : ( وليس البرّ بأن
تأتوا البيوت من ظهورها . . . وأتوا البيوت من أبوابها ) .
لا يقال : حمل الطريق والدار على الموصول غير مفيد لظهور أنّ الطريق طريق والدار دار .
لأنّا نقول : المقصود أنّ ما كان مأخوذاً للطريق ينبغي أن يكون طريقاً مستطرقاً ولاغيره وما
كان مأخوذاً للدار والسكنى ينبغي أن يكون كذلك لا غيره ، وفيه ردّ على من تصرّف في الشرع
بعقله من جهة القياس أو الترجيح أو الاستحسان أو غير ذلك ، فإنّ ذلك التصرّف يوجب تغيير
الحدود ويجعل الحلال حراماً والحرام حلالاً ، ثمّ أكّد ( عليه السلام ) ما هو بصدده من أنّه سبحانه بيّن جميع
الأحكام وعيّن حدودها بذكر بعض الأحكام الصغار .
( حتّى أرش الخدش ) الأرش دية الجراحات ، والجمع اُروش ، مثل فرش وفروش ، والخدش
مصدر ، خدش وجهه إذا ظفره فأدماه ، أو لم يدمه ، ثمّ سمّي به الأثر ، ولهذا يجمع على خدوش .
( فما سواه ) عطف على الخدش أي حتى أرش ما سوى الخدش ممّا هو دونه أو فوقه .
( والجلدة ونصف الجلدة ) عطف على أرش الخدش والجلد والجلدة بفتح الجيم وسكون اللام
ضرب الجلد بكسر الجيم ، يقال : جلده الحدّ أي ضربه وأصابه جلدة ، وفيه مبالغة على أنّ الله تعالى
بيّن جميع ما يحتاج إليه العباد في الكتاب ولكنّ الكتاب بحر عميق ولا يدرك ما في قعره إلاّ
الغوّاصون في بحار المعرفة .
* الأصل :
4 - عليّ ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن حمّاد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : سمعته يقول : « ما
من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة » .
هامش
1 - إشارة إلى ما قاله أهل المعقول من أنّ المجعول هو الماهية لا الوجود كما قال الرئيس : ما جعل الله
المشمشة مشمشة بل أوجدها . ( ش )
2 - أخرجه العقيلي وابن عدي والطبراني في المسند الكبير والحاكم في المستدرك ج 3 ، ص 126 من
حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله .