( وصاحب الفقه والعقل ) أي الصنف الذي يطلب العلم لتكميل القوّة النظرية والقوّة العملية
وتسديدهما .
( ذو كآبة وحزن وسهر ) الكأبة بالتحريك والكأبة بالتسكين والكآبة بالمدّ سوء الحال
والانكسار من شدّة الهمّ والحزن ، والحزن خلاف السرور ، والسهر بالتحريك الأرق واتّصافه بهذه
الاُمور لاستشعار نفسه بالخوف والخشية من الله تعالى ومن أهوال الآخرة وعقابها وصعوبة أحوال
الناس فيها ، ومن سوء العاقبة وقبح الخاتمة ، ولانفعالها بمشاهدة قلّة الأصدقاء وكثرة الأعداء ورفع
حال الأراذل ووضع حال الأفاضل إلى غير ذلك من الأسباب .
( قد تحنّك في برنسه ) يقال : تحنّك فلان إذا أدار العمامة تحت حنكه ، والحنك ما تحت الذقن ، وفيه
استحباب التحنّك أو المعنى قد ارتاض بالعبادة وتهذّب منها من حنّكتك الاُمور بالتخفيف أو
التشديد أي راضتك وهذّبتك ، والبرنس بالباء الموحّدة المضمومة والراء المهملة الساكنة والنون
المضمومة والسين المهملة . قال في النهاية : هو كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به من درّاعة أو جبّة أو ممطر
أو غيره . وقال الجوهري : هو قلنسوة طويلة كان يلبسها النسّاك في صدر الإسلام ( 1 ) ، وهو من
البرس بكسر الباء القطن والنون زائدة ، وقيل : إنّه غير عربيّ .
( وقام الليل ) بالصلاة والذِّكر والتلاوة إلى غير ذلك من العبادة ، والليل منصوب بنزع الخافض .
( في حندسه ) الحندس بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة والدال المسكورة والسين
المهملتين الليل المظلم ، والظلمة أيضاً ، والثاني هنا أنسب ، والإضافة إلى ضمير الليل بتقدير اللام
وقيام الليل معراج الصالحين ومنهاج الزاهدين ، وفيه سرور السائرين إلى الله تعالى لتفرّغ بالهم
ونظام حالهم فيجدون في مناجاة ربّهم سروراً ولذّة لا يوازن بأحقرها الدنيا وما فيها .
( يعمل ويخشى ) لأنّه لمّا شاهد نور جلال الله بعين الحقيقة ولاحظ عظمة كبريائه بنور البصرة
رأى كلّ شيء لديه صغيراً ، وكلّ موجود سواه حقيراً ، فيرى نفسه مقصِّراً وعمله مضمحلاًّ ،
فيخشى من التقصير ، كما قال سبحانه : ( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) .
( وجلاً ) حال عن الفاعل أي يعمل ويخشى حال كونه وجلاً خائفاً من عدم القبول لعلمه بأنّ
المقبول من الأعمال إنّما هو العمل الصالح ، ولا علم له بصلاح عمله ، أو من سوء الخاتمة وانقلاب
العاقبة وعدم استمرار عمله لعلمه بأنّ كثيراً من العباد انعكست حاله في آخر عمره ، أو من خجالة
هامش
1 - تزيّي أهل العلم والورع بزيٍّ خاصٍّ كان معهوداً في صدر الإسلام ، ولم ينه عنه الأئمّة ( عليهم السلام ) بل قرّره
واستحسنه في هذه الرواية فيكون حسناً ، ولأنّ من تزيّا بلباس التقوى استحيى من حضور المعاصي
ومجالسها وسبب الأمر الحسن حسن وكلّ حسن مندوب إليه شرعاً . ( ش )