وتزيينهما بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة ، واتّصافه بالكمالات العلمية والعملية واستحقاقه
للحياة الأبديّة والخلافة الربّانية ، واستكماله في الحقيقة الإنسانية فهذا ناج من ألم الفراق والعقوبات
الاُخروية لكشف الحجاب بينه وبين الحضرة الربوبية ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو
الفضل العظيم ) .
( وعالم تارك لعلمه ) لتدنّس ظاهره بالأعمال الباطلة وتوسّخ باطنه بالأخلاق الفاسدة ، واتّباعه
للقوّة الشهوية والغضبية ، وركوبه على النفس الأمّارة حتى تورده في موارد طلب الدنيا وزهراتها ،
وجمع زخارفها ومشتهياتها وتحمّله إلى الغلظة على الصلحاء والزهّاد ، وتسرّعه إلى الفتاوي
والحكومة بين العباد ، وتمدّحه لحكّام الجور وتعبّده لهم ، والتياذه بهم ، وبالجملة هو الذي وضع العلم
على طرف اللسان ولم يصل أثره إلى القلب وسائر الأركان .
( فهذا هالك ) لابتلائه ألم الفراق وشربه كأساً مسمومة المذاق ، واستماعه سحقاً يوم التلاق حين
يشاهد ربح العلماء العاملين ونور سيماء المقرّبين ألا ذلك هو الخسران المبين .
( وإنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه ) التابع للنفس وهواها ، وهذا الريح ينشأ إمّا
من قبح أفعاله ونتن أعماله ، وهذا النتن موجود في الدنيا أيضاً إلاّ أنّ الشامة القاصرة لا تدركها
والآخرة محلّ بروز الكامنات والأسرار أو ينشأ من شدّة تعذيبه بالنار لاستحقاقه إيّاها ، إذ العلم
ميزان يوزن به الدنيا والآخرة ويعرف به فضل الآخرة على الدنيا ومعرفة ذلك يستلزم ذكر الموت
ودوام ملاحظته وذلك مستلزم للرهبة والعمل لما بعده ، فالعالم إذا ترك العمل وآثر الدنيا على
الآخرة مع العلم بالتفاضل وسوء عاقبة الركون إلى الدنيا ومتابعة النفس فهو بزيادة التعذيب
أحرى وباستحقاق اللوم والعقوبة أجدر وأوْلى ، نظير ذلك أنّه لو وقع البصير والأعمى في البئر فهما
متشاركان في الهلاك إلاّ أنّ البصير أوْلى باللوم والمذمّة .
( وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة ) يوم القيامة على التقصير في العمل الموجب للسعادة
الاُخروية والانهماك في الخسران الموجب للشقاوة الأبدية ، والحسرة أشدّ التلهّف على الشيء
الفائت .
( رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنّة ) وأكرمه بنعيمها
الآجل قبوله الحقّ وعمله به .
( وأدخل الداعي النار بتركه علمه ) أي بسبب تركه علمه الداعي إلى الأعمال الصالحة
والأخلاق الفاضلة الباعثة على لقاء الله ورحمته والدخول في سلك المقرّبين في حضرته ، والجارّ في
قوله : « بتركه » متعلّق بأدخل وتعلّقه بالحسرة والندامة بعيد لفظاً .
شرح أصول الكافي — صفحة 140
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٤٠