( ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً - نعوذ بالله منه - سبّب له أسباب
الاستحسان ) أي خلا بينه وبينها ويعمل بعقله ما رآه حسناً مثل القياس وأصالة البراءة ومفهوم
اللّقب ومفهوم الصفة ( 1 ) إلى غير ذلك من المحسّنات العقليّة في أصول العقائد وفروعها ( والتقليد
للآباء ) والكبراء ( والتأويل ) في المجمل المتشابه وغيرهما بمجرّد رأيه ( من غير علم وبصيرة ) ناشية
من الكتاب والسنّة ، وقول أهل البيت ( عليهم السلام ) ( فذاك في المشيّة إن شاء الله تبارك وتعالى أتمّ إيمانه )
ووفّقه لسلوك سبيل النجاة ( وإن شاء سلبه إيّاه ) ووكله إلى نفسه ، والنفس أمّارة بالسوء فتورده
موارد الهلكات ( ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً )
مثله كمثل المسافر لا بصيرة له وقد صادفه طريقان : أحدهما يوصله إلى المطلوب والآخر يبعده عنه ،
فان سلك الأوّل فقد اهتدى وإن سلك الآخر فقد ضلّ ، أو كمثل مسافر سلك طريقاً مخوفاً قد كثر فيه
السباع وقطّاع الطريق فإن سلم منهم فقد رشد وإلاّ فقد هلك ( لأنّه كلّما رأى كبيراً من الكبراء مال
معه ) من غير علم بأنّ ذلك حقّ أو باطل وقد ذمّهم سبحانه بقوله ( وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله
قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ) وحكى عنهم بقوله
( يوم تقلّب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسولا ) ( وقالوا ربّنا إنّا أطعنا
سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا * ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً ) ) ( وكلّما رأى
شيئاً استحسن ظاهره قبله ) لاستيناس قلبه بظواهر المحسوسات واستيحاش عقله عن بواطن
المعقولات ; إذ المعقولات إنّما تدرك بعلوم برهانية وأنوار ربّانيّة وهي مفقودة فيه ( ومن لم يجعل الله
له نوراً فما له من نور ) فلذلك أفلس قلبه عن معرفة الأشياء على ما هي عليه وعن معرفة الأحكام
وأحوال الآخرة التي بها قوام الايمان وثباته ( وقد قال العالم ( عليه السلام ) : إن الله عز وجل خلق النبيين على
النبوّة فلا يكونون إلاّ أنبياء ) ولا يتزايلون عن وصف النبوّة أصلا ( وخلق الأوصياء على الوصية
فلا يكونون إلاّ أوصياء ) ولا يتفارقون عن معنى الوصاية والخلافة أبداً ( وأعار قوماً إيماناً فإن شاء
تمّمه لهم وإن شاء سلبهم إيّاه ، قال : وفيهم جرى قوله فمستقرّ ومستودع ) مستقرّ بفتح القاف أو
كسرها على اختلاف القراءة جار في النّبي والوصيّ فبالفتح اسم مفعول يعني مثبت في الايمان ، أو اسم
مكان يعنى له موضع استقرار وثبات فيه وبالكسر اسم فاعل يعني مستقرّ ثابت فيه . ومستودع بفتح
الدّال اسم مفعول أو اسم مكان جار في المُعار ، واعلم أنّ الايمان والكفر طريقان
هامش
1 - ليس هذه الأمور ممّا يوجب الخذلان غير القياس والتفصيل في علم أصول الفقه ولكن الشارح جارى مع
معاصريه من الأخباريين . والظاهر من حاشيته على المعالم وشرحه الزبدة أنه ناهج منهج أهل الاجتهاد
ويتبع الدليل في الأصول والمفاهيم غيرها . ( ش )