على التقديرين مبالغة في استقراره على الدين وعدم اهتزازه بصرصر الشبهات وهبوب رياح
الأغراض والبليّات ، لحصول اعتقاده بعلم ويقين وابتنائه على أصل متين ( ومن أخذ دينه من أفواه
الرّجال ) تقليداً لهم واتّباعاً لآثارهم واقتفاء لأفعالهم وأطوارهم ( ردّته الرِّجال ) عنه بإلقاء أدنى
الشبهات وأضعف التدليسات لعدم تمسّكه بمستند شديد وأصل سديد فهو كنبات يابس تكسره
حوادث الزّمن ، وتقلبه رياح الفتن ، وفيه إيماء لطيف إلى أن المقلّد لا بدَّ من أن ينقل من حال إلى حال
لأنّ متابعته للأوّل ليس بأولى من متابعته للآخر ، فإذا اختلفا يبقى هو متردِّداً في قبول قول أحدهما
دون صاحبه فيرجع من الظنِّ إلى الشكِّ ( وقال ( عليه السلام ) من لم يعرف أمرنا ) أي شأننا في الإمامة ورتبتنا
في الخلافة والوراثة ( من القرآن ) بل أخذه بمجرّد التقليد أو الاستحسان ( لم يتنكّب الفتن ) تنكّبها
تجنّبها وتباعد عنها ، يعني لا يقدر على العدول عنها ولا يأمن الوقوع فيها لأنّ فتنة الشبهة والشكوك
قد تزيله عن عقايده ، وفيه دلالة على وجوب الاستدلال في الأُصول .
* الأصل :
« ولهذه العلّة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة ، والمذاهب المستشنعة
التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلّها ; وذلك بتوفيق الله تعالى خذلانه فمن أراد الله
توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتاً مستقرّاً ، سبّب له الأسباب التي تؤدّيه إلى أن يأخذ دينه من
كتاب الله وسنّة نبيّه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة ، فذاك أثبت في دينه من الجبال
الرواسيّ ، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معاراً مستودعاً - نعوذ بالله منه - سبّب له
أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة . فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك
وتعالى أتمّ إيمانه وإن شاء سلبه إيّاه ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ، أو يمسي
مؤمناً ويصبح كافراً ، لأنّه كلّما رأى كبيراً من الكبراء مال معه وكلّما رأى شيئاً استحسن ظاهره
قبله ، وقد قال العالم ( عليه السلام ) : إنّ الله عزّ وجلّ خلق النبيّين على النبوّة فلا يكونون إلاّ أنبياء ، وخلق
الأوصياء على الوصيّة فلا يكونون إلاّ أوصياء ، وأعار قوماً إيماناً فإن شاء تمّمه لهم وإن شاء
سلبهم إيّاه . وقال : وفيهم جرى قوله : ( فمستقر ومستودع ) .
وذكرت أنّ أموراً قد أشكلت عليك ، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرّواية فيها ، وأنّك تعلم أنّ
اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها وأنّك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه
ممّن تثق بعلمه فيها ، وقلت إنّك تحبُّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع [ فيه ] من جميع فنون
علم الدِّين ما يكتفي به المتعلّم ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدِّين والعمل
به بالآثار الصحيحة عن الصادقين ( عليهما السلام ) والسنن القائمة التي عليها العمل ، وبها يؤدّي فرض الله
عزّ
شرح أصول الكافي — صفحة 56
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٥٦